السبت، 1 نوفمبر 2014

كتابة إنشاء أدبي حول نص شعري: تحليل قصيدة: ردوا علي بياني-د. عبد العزيز خلوفة.


كتابة إنشاء أدبي حول نص شعري - الخطاب الإحيائي.
                                                     قصيدة:" رُدّوا عليَّ بياني " للشاعر حافظ إبراهيم


                                                       أستاذ العربية: د عبد العزيز خلوفــــــة

كان للنهضة الحضارية التي عرفها العرب منتصف القرن التاسع عشر الأثر الأكبر في تجاوز الأدب العربي لكل مظاهر الاسفاف التي لحقته زمن الانحطاط، وهو ما تبدى في ظهور مدرسة إحياء النموذج، إذ عمل الشعراء آنذاك على الدفع بعملية الإبداع الشعري إلى المستوى الفني الرفيع كما الحال لدى الشعراء القدامى، باعتبارهم نماذج أجدر بالاتباع، وهو ما تحقق عند الكتابة على منوالهم، سواء أتعلق الأمر بالخصائص الفنية أم بالمضامين الشعرية المعهودة. وقد كان وراء الشعر الإحيائي شعراء كبار أمثال: محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وعلال الفاسي. ناهيك عن صاحب القصيدة قيد التحليل حافظ إبراهيم، الشاعر المصري الملقب بشاعر النيل. وبالنظر إلى الشكل الهندسي والعبارة الأولى أعلى القصيدة، يجوز القول بأننا إزاء قصيدة شعرية إحيائية. فما مضامين القصيدة الجزئية؟ وإلى أي حد مثلت قصيدة "ردوا علي بياني" حركة إحياء النموذج؟
استهل الشاعر قصيدته بالاعتراف الصريح بعجزه عن نظم الشعر نظما بليغا كما الشأن في السابق، فكيف يمكن ذلك، وقد توفي كبير الشعراء أستاذه محمود سامي البارودي، مما ولد لديه مشاعر الحسرة والحزن المفضيين إلى الأرق والهم. بعدها راح الشاعر يرثي الفقيد من خلال الإشادة بمناقبه، معتبرا إياه زعيم الشعراء وكبيرهم، ورجلا ذا خلق كريم، فعفته ونبله نال بهما حظوة بين الناس، كما أن ورعه جعله يزهد في الدنيا غير مبال بما فيها، ناهيك عن كونه مقداما ومحاربا شجاعا. وفي الأخير يختم الشاعر نصه بدعوة المشيعين إلى التأدب في موكبهم احتراما لجبريل والملائكة المرافقة لهم، وهو ما يشي بمكانة محمود العالية. هذا عن المحتوى فماذا عن المعجم؟
بناء عليه، يتوزع معجم القصيدة إلى حقلين دلاليين؛ حقل دال على الذات الشاعرة، ونمثل له بـــــــ(عييت- لا تطاوعني – سكوتي- أفحمني...) وحقل دال على مناقب الفقيد، ونمثل له بـــــ( مؤنس الموتى- فارس الشعر- هز الحسام- لبى- نودي..). والملاحظ أن بين الحقلين علاقة ترابط وتكامل، حيث إن كليهما يخدمان غرض الرثاء التقليدي. كما تجلى تبني التراث القديم في اعتماد الشاعر للغة تقليدية جزلة تستوحي مفرداتها من القاموس القديم.
وانتقالا إلى البنية الإيقاعية، فإن ما يلفت النظر هو اعتماد الشاعر على الشكل الهندسي القديم القائم على نظام الشطرين المتناظرين، بالإضافة إلى نظم الشاعر القصيدة على بحر البسيط، تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن...مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن. وقد وردت العروضة مخبونة والضرب مقطوعا(فعْلن). أما القافية (هودي)فقد جاءت مطلقة مردوفة أحيانا بالواو (ممدود)وأحايين أخرى بالياء(تسهيد)، ومن حيث الحركات نجدها متواترة(/0/0)، وهي كذلك في سائر أبيات القصيدة، والحال نفسه لحرف الروي الدال الذي ورد موحدا احتذاء بالقدامى، ويمكن تفسير وروده مجرورا بتماشيه مع نفسية الشاعر المنكسرة، جراء فقدان صديقه العزيز محمود سامي البارودي. وقد عضد الشاعر هذا الإيقاع الخارجي بنسق إيقاعي داخلي تمثل في ظاهرتي التوازي التكرار. فأما التوازي، فالأمر يتعلق بالتناظر الحاصل بين المتتاليات اللغوية، كما الحال في البيت الخامس إذ نجد توازيا تركيبيا يفيد تشابها على مستوى الإعراب، وتوازيا دلاليا قائما على التناسب(يامؤنس الموتى/ يا فارس الشعر..)، والشأن نفسه في البيت العاشر ( خير من هز اليراع/ من هز الحسام..)، وقد حقق التوازي وظيفة تأثيرية إقناعية إذ تماشى وسياق الحسرة والأسف عل فقدان سيد الشعراء سامي البارودي. وأما ظاهرة التكرار، فمظاهره عديدة، كتكرار حرف النداء (يا) أربع مرات، دلالة على تعلق الشاعر بمرثيه وحسرته على موته، والوظيفة نفسها عند الحديث عن تكرار (لبيك) ثلاث مرات، ونشير أيضا إلى تكرار (من) الموصولية في البيت العاشر، لما تؤديه من وظيفة دلالية متمثلة في إصرار الشاعر على تعداد محاسن الفقيد الكثيرة، ناهيك عن أهمية التكرار الجمالية حيث تولد منه جرس موسيقي يستميل المتلقي.
ومن جهة أخرى، يحفل النص بصور شعرية عدة ذات نزعة بيانية، إذ إن أغلبها قائم على المشابهة كما الحال في البيت التاسع، حيث التشبيه البليغ (تجري السلاسة في أثناء منطقه تحت الفصاحة جري الماء في العود)، إذ شبه الشاعر فصاحة وطلاقة لسان البارودي بجري الماء في العود. فالصورة ذات وظيفة بيانية إقناعية، حيث إقناع المتلقي بخسارة الأمة لشاعر فحل ولمحارب شجاع، ناهيك عن وظيفتها الجمالية التزينية. والبعودة إلى البيت الثاني نلفي صورة استعارية (ما للبلاغة غضبى) فالشاعر شبه البلاغة بالإنسان، مستعيرا صفة الغضب، وهي خاصية الإنسان، للبلاغة على سبيل الاستعارة المكنية. القول ذاته في عبارات أخرى مماثلة( ظنت سكوتي/ درت أن هذا الخطب/ لأطلقت من لساني..) ونجد في البيت الثامن استعارة مكنية، أيضا، حيث شبه الشاعر الزمان بالإنسان البخيل، والمشبه به محذوف لكن ثمة ما يدل عليه وهو لفظ (ضن). وهذه الصور الاستعارية المكثفة دالة على تبعية الشاعر للقدامى ذوي الميول إلى النزعة البيانة، فهي مستحضرة لدى الشاعر لوظيفتها التأثيرية، أي التأثير في المتلقي بمدى حسرته وحزنه على فقيد العروبة سامي البارودي.
ومن ناحية الأسلوب، زاوج الشاعر حافظ إبراهيم بين ما هو خبري وإنشائي، فالأسلوب الخبري مجسد في الجمل الفعلية الواردة بقوة (أعيا الشعر مجهودي. أسلمتني إلى هم.نزحت عن الدنيا.تجري السلاسة..) والملحوظ أن الخبر في النص تجاوز فائدة الإخبار إلى غرضين أساسيين لدى الشاعر هما الحسرة والرثاء. وأما الإنشاء، فالأمر يتعلق بصيغ الأمر(رُدّوا علي. غضّوا العيون..) والاستفهام (ما للبلاغة غضبى. ما لحبل القوافي غير ممدود ؟) والتمني (ولو درت..) والنداء (يا مؤنس الموتى. يا فارس الشعر. يا خير من هز اليراء..) والسر وراء إيراد الأسلوب الإنشائي هو إثارة انتباه القارئ إلى حالة الشاعر النفسية حيث التعلق الشديد بصديقه محمود سامي البارودي. وبالنسبة للضمائر، فقد تناوب الضميران المفرد المتكلم الملخص لتأسف الشاعر وحسرته على وفاة محمود، والضمير المخاطب المهيمن تماشيا ومقصيدته الشاعر، حيث التذكير بمحاسن الفقيد.
وصفوة القول، مثلت قصيدة "ردّوا علي بياني" خصائص ومقومات حركة إحياء النموذج، إذ التزم صاحبها حافظ إبراهيم بالتراث الشعري العربي القديم، فعلى المستوى الفني نجده معتمدا الشكل القائم على الشطرين المتناظرين ووحدة القافية والروي، ومستندا إلى قاموس تقليدي وصور ذات نزعة بيانية. وأما المستوى المضموني، فالشاعر استلهم الرثاء باعتباره غرضا شعريا معهودا لدى القدامى. وإذا كان كذلك فهل ثمة شعراء آخرون آمنوا بضرورة تجديد الكتابة الشعرية العربية وفق حاجيات الذات والعصر؟

القصيدة كاملة والأبيات الملونة بالأحمر هي التي وردت في الكتاب المدرسي وحللها الأستاذ مشكورا:
 [من هنا مصدر القصيدة]

رُدّوا عَلَيَّ بَياني بَعدَ مَحمودِإِنّي عَييتُ وَأَعيا الشِعرُ مَجهودي
ما لِلبَلاغَةِ غَضبى لا تُطاوِعُنيوَما لِحَبلِ القَوافي غَيرَ مَمدودِ
ظَنَّت سُكوتِيَ صَفحاً عَن مَوَدَّتِهِفَأَسلَمَتني إِلى هَمٍّ وَتَسهيدِ
وَلَو دَرَت أَنَّ هَذا الخَطبَ أَفحَمَنيلَأَطلَقَت مِن لِساني كُلَّ مَعقودِ
لَبَّيكَ يا مُؤنِسَ المَوتى وَموحِشَنايا فارِسَ الشِعرِ وَالهَيجاءِ وَالجودِ
مُلكُ القُلوبِ وَأَنتَ المُستَقِلُّ بِهِأَبقى عَلى الدَهرِ مِن مُلكِ اِبنِ داوودِ
لَقَد نَزَحتَ عَنِ الدُنيا كَما نَزَحَتعَنها لَياليكَ مِن بيضٍ وَمِن سودِ
أَغمَضتَ عَينَيكَ عَنها وَاِزدَرَيتَ بِهاقَبلَ المَماتِ وَلَم تَحفِل بِمَوجودِ
لَبَّيكَ يا شاعِراً ضَنَّ الزَمانُ بِهِعَلى النُهى وَالقَوافي وَالأَناشيدِ
تَجري السَلاسَةُ في أَثناءِ مَنطِقِهِتَحتَ الفَصاحَةِ جَريَ الماءِ في العودِ
في كُلِّ بَيتٍ لَهُ ماءٌ يَرِفُّ بِهِيَغارُ مِن ذِكرِهِ ماءُ العَناقيدِ
لَو حَنَّطوكَ بِشِعرٍ أَنتَ قائِلُهُغَنيتَ عَن نَفَحاتِ المِسكِ وَالعودِ
حَلَّيتَهُ بَعدَ أَن هَذَّبتَهُ بِسَناعِقدٍ بِمَدحِ رَسولِ اللَهِ مَنضودِ
كَفاكَ زاداً وَزَيناً أَن تَسيرَ إِلىيَومِ الحِسابِ وَذاكَ العِقدُ في الجيدِ
لَبَّيكَ يا خَيرَ مَن هَزَّ اليَراعَ وَمَنهَزَّ الحُسامَ وَمَن لَبّى وَمَن نودي
إِن هُدَّ رُكنُكَ مَنكوباً فَقَد رَفَعَتلَكَ الفَضيلَةُ رُكناً غَيرَ مَهدودِ
إِنَّ المَناصِبَ في عَزلٍ وَتَولِيَةٍغَيرُ المَواهِبِ في ذِكرٍ وَتَخليدِ
أَكرِم بِها زَلَّةً في العُمرِ واحِدَةًإِن صَحَّ أَنَّكَ فيها غَيرُ مَحمودِ
سَلوا الحِجا هَل قَضَت أَربابُهُ وَطَراًدونَ المَقاديرِ أَو فازَت بِمَقصودِ
كُنتَ الوَزيرَ وَكُنتَ المُستَعانَ بِهِوَكانَ هَمُّكَ هَمَّ القادَةِ الصيدِ
كَم وَقفَةٍ لَكَ وَالأَبطالُ طائِرَةٌوَالحَربُ تَضرِبُ صِنديداً بِصِنديدِ
تَقولُ لِلنَفسِ إِن جاشَت إِلَيكَ بِهاهَذا مَجالُكِ سودي فيهِ أَو بيدي
نَسَختَ يَومَ كَريدٍ كُلَّ ما نَقَلوافي يَومِ ذي قارَ عَن هاني بنِ مَسعودِ
نَظَمتَ أَعداكَ في سِلكِ الفَناءِ بِهِعَلى رَوِيٍّ وَلَكِن غَيرُ مَعهودِ
كَأَنَّهُم كَلِمٌ وَالمَوتُ قافِيَةٌيَرمي بِهِ عَرَبِيٌّ غَيرُ رِعديدِ
أَودى المَعَرّي تَقِيُّ الشِعرِ مُؤمِنُهُفَكادَ صَرحُ المَعالي بَعدَهُ يودي
وَأَوحَشَ الشَرقُ مِن فَضلٍ وَمِن أَدَبٍوَأَقفَرَ الرَوضُ مِن شَدوٍ وَتَغريدِ
وَأَصبَحَ الشِعرُ وَالأَسماعُ تَنبِذُهُكَأَنَّهُ دَسَمٌ في جَوفِ مَمعودِ
أَلوى بِهِ الضَعفُ وَاِستَرخَت أَعِنَّتُهُفَراحَ يَعثُرُ في حَشوٍ وَتَعقيدِ
وَأَنكَرَت نَسَماتُ الشَوقِ مَربَعَهُتُثيرُها خَطَراتُ الخُرَّدِ الخودِ
لَو أَنصَفوا أَودَعوهُ جَوفَ لُؤلُؤَةٍمِن كَنزِ حِكمَتِهِ لا جَوفَ أُخدودِ
وَكَفَّنوهُ بِدَرجٍ مِن صَحائِفِهِأَو واضِحٍ مِن قَميصِ الصُبحِ مَقدودِ
وَأَنزَلوهُ بِأُفقٍ مِن مَطالِعِهِفَوقَ الكَواكِبِ لا تَحتَ الجَلاميدِ
وَناشَدوا الشَمسَ أَن تَنعي مَحاسِنَهُلِلشَرقِ وَالغَربِ وَالأَمصارِ وَالبيدِ
أَقولُ لِلمَلَإِ الغادي بِمَوكِبِهِوَالناسُ ما بَينَ مَكبودٍ وَمَفؤودِ
غُضّوا العُيونَ فَإِنَّ الروحَ يَصحَبُكُممَعَ المَلائِكِ تَكريماً لِمَحمودِ
يا وَيحَ لِلقَبرِ قَد أَخفى سَنا قَمَرٍمُقَسَّمِ الوَجهِ مَحسودِ التَجاليدِ
يا وَيحَهُ حَلَّ فيهِ ذو قَريحَتُهُلَها بِخِدرِ المَعالي أَلفُ مَولودِ
فَرائِدٌ خُرَّدٌ لَو شاءَ أَودَعَهامُحصي الجَديدِ سِجِلّاتِ المَواليدِ
كَأَنَّها وَهيَ بِالأَلفاظِ كاسِيَةٌوَحُسنُها بَينَ مَشهودٍ وَمَحسودِ
لَآلِئٌ خَلفَ بَلّورٍ قَدِ اِتَسَقَتفي بَيتِ دُهقانَ تَستَهوي نُهى الغيدِ
مَحمودُ إِنّي لَأَستَحييكَ في كَلِميحَيّاً وَمَيتاً وَإِن أَبدَعتُ تَقصيدي
فَاِعذِر قَريضِيَ وَاِعذِر فيكَ قائِلَهُكِلاهُما بَينَ مَضعوفٍ وَمَحدودِ

0 التعليقات:

إرسال تعليق

قراءنا الكرام في مدونة المختار نلتقي، وبالحوار الهادف نرتقي