الدهشة الجمالية

عن مطبعة عين برانت بوجدة ومنشورات جمعية الضاد صدر كتابي "تفاعل الدهشة الجماليةدراسة في تلقي شعر أبي تمام من لدن معاصريه" مقدمة الكتاب

التلقي المنتج

عن دار الأنوار بوجدة صدر كتابي النقدي الأول المعنون بالتلقي المنتج

أزيز الصمت

أزيز الصمت: إبحار في عالم الصمت الجميل حين يشتعل جمره..ديواني الأول صدر عن دار الوطن

الأساطير المنظرة لتلهيج التعليم بالمغرب

ماذا يريد الملهوجون الجدد؟ ما هي منطلقاتهم الفكرية؟ وما مقاصدهم المضمرة؟

منتدى المختار

مرحبا بكم في منتدى المختار منتدى الإبداع والحوار

الأحد، 27 نوفمبر، 2016

مقدمة كتابي تفاعل الدهشة الجمالية: دراسة في تلقي شعر أبي تمام من لدن معاصريه






مقدمة
التفاعل سمة من سمات الحركة الأدبية والنقدية النشيطة، فبالتفاعل يحيا النص الأدبي وينتعش النقد، وبغياب التفاعل يتحول الإبداع إلى أرض يباب، ويتخبط النقد في مسالك ضيقة فتتلاشى وظيفته، وقد ألهمني كتاب د. توفيق الزيدي "خطاب التفاعل: شعر أبي تمام والنقد القديم"، إلى أهمية إبراز دور التفاعل في نفخ الروح  في النص، إذ افتتح كتابه بهذه العبارات الدالة: "خطاب التفاعل هو الحياة، في مدها وجزرها، وأخذها وعطائها...إنه الحركة والتواصل والتوالد"([1])، وعبر رحلتي الطويلة في رسالة الدكتوراه مع ردود الأفعال التي أثارها النص التمامي وبحكم تخصصي في نظرية التلقي التي أضاءت النص القديم في دراستي العليا؛ تشكل هذا المشروع الذي يروم إعادة النظر في تحقيب تاريخ الشعر العربي الذي طغى عليه المنهج التاريخي، وأنهكته تصنيفات الحقب السياسية؛ وذلك عبر الاستفادة من الإطار النظري الذي قدمته جمالية التلقي عبر رائديها  ياوس وإيزر.
 فقد عمل ياوس على إعادة الاعتبار إلى تاريخ الأدب من خلال رد الاعتبار إلى العنصر الفاعل فيه والمتفاعل مع نصوصه، إنه المتلقي الذي أهملته النظريات السابقة رغم موقعه المحوري، ومن هنا يتحدد تاريخ الأدب باعتباره تفاعلا بين المبدع والمتلقي من خلال النص، كما يوضح ياوس ذلك قائلا :
(الأدب والفن لا ينتظمان في تاريخ نسقي إلا إذا نُسِبت سلسلة الأعمال المتوالية لا إلى الذات المنتجة وحدها، وإنما إلى الذات المستهلكة أيضا، أي إلى التفاعل بين المؤلف والجمهور)[2] .
وهذه الدراسة تركز على ذلك المتلقي الأول الذي سيشكل تفاعله مركزا يجذب التفاعلات اللاحقة عبر سيرورة التاريخ...فالانقسام الحاصل حول شعر أبي تمام بعد موته إلى عصرنا الحاضر ليس إلا تجليا لانقسام حصل حول شعره في حياته.....
أما إيزر فقد اهتم بفعل القراءة وما ينجم عنه من تفاعل بين القارئ والنص، حيث توطدت العلاقة بين هذين المحورين، ومن ثمة فإن العمل الأدبي غدا ذا قطبين: (قد نسميهما: القطب الفني والقطب الجمالي، الأول هو نص المؤلف، والثاني هو التحقق الذي ينجزه القارئ)[3]، ويصبح موقع العمل الأدبي بينهما، لأنه:( من الواضح أن تحقيقه هو نتيجة للتفاعل بين الاثنين)[4].
لكن التفاعل بين القارئ والنص لا يعني تهميش المبدع، بل إن هذا ظل حاضرا في وعي المتلقي يرسم ملامح ردود الأفعال ويحدد شكلها، وقد لا أكون مبالغا إذا قلت إن أبا تمام وشعره قد شكلا ظاهرة جديرة بالدراسة في تأطير ذلك التفاعل، وهو ما يسعى هذا الكتاب إلى إبرازه؛ حيث ركز على المتلقي المعاصر لأبي تمام في محاولة لتحديد السمة الجوهرية التي وسمت التفاعل بين الباث والمتلقي، عبر النص.
والحقيقة أن الحديث عن تلقي شعر أبي تمام من لدن معاصريه يستلزم منا الوعي بمسألتين مرتبطتين بالأفق التاريخي، تتمثل الأولى في علاقتنا نحن قراء القرن الواحد والعشرين بالمرحلة التي عاش فيها الشاعر، وهي علاقة مقيدة بالمصادر التي حفظت شذرات من ذلك التلقي، بمعنى أن أحكامنا الراهنة مشروطة بما تم انتقاؤه من أخبار وروايات، إننا لن نمر إلى عصر أبي تمام إلا عبر جسر تلك المصادر، وهي مصادر كانت محكومة بأفق العصر الذي تنتمي إليه وتجيب عن أسئلته، فهي لم تحفظ بين طياتها إلا ما تراه جديرا بالحفظ؛ والمسألة الثانية تنبني على سالفتها، حيث إن أغلب تلك المصادر دوِّنت بعد عصر أبي تمام، مما يعني أن المعلومات المرتبطة بالتلقي المتحدث عنها آنفا ليست إلا تلك المعلومات المتحدية حركة التاريخ التي تهدم كل ما تراه غير مؤهل أن يرسخ بنيانه، وتدحره إلى هامش النسيان، لاسيما وأنها لم تحفظ في بداية عهدها إلا عن طريق الرواية الشفهية التي تتأثر بأحوال الذاكرة، ونزعات الذات. والمسألتان كلتاهما خاضعتان لحركة التحقيق التي نشطت في القرن الماضي، مع ما ارتبط بها من ظروف ذاتية تعكس ميل المحقق ورغبته في تحقيق مخطوط دون غيره، وأخرى موضوعية تتحكم فيها وفرة المخطوطات أو انعدامها....أضف إلى كل ما سبق يبرز دور دور النشر التي تضن أحيانا بالنسخ العلمية الرصينة لكساد سوقها، مما يعكس تداخل العلمي والاقتصادي... يضاف إلى  تداخل الحاضر مع الماضي القريب والبعيد..
وانطلاقا من الوعي بهذه الأمور، يتحتم التأكيد على نسبية الأحكام التي تبرز من وراء تلقي شعر أبي تمام الطائي والتفاعل معه، فالمصادر تقيدني بأهواء ومعايير عصرها الذي ألفت فيه... ورغم ذلك يبقى السؤال الأساس الذي يشكل المنطلق ملحا:
     - من أقصد بمعاصري أبي تمام؟
وفي أفق الجواب تتناثر أسئلة أخرى تدور في فلكه مثل: هل هؤلاء المعاصرون تحدهم فترة زمنية محددة؟ هل ينتهون بموت أبي تمام؟ أهم من قابلوه فقط، أم هم كل من سمعوا بشعره، وحكموا له أو عليه؟...إلى غير ذلك من الأسئلة التي تقذف بالباحث في لجة الإشكالية: إشكالية التحقيب!
لقد  خلصت بعد رصد وتتبع تفاعل المتلقين مع شعر أبي تمام  إلى أن معاصريه يحددهم أفق "قراءة الدهشة الجمالية"، وهي قراءة أكثر التصاقا بالتلقي الشفهي، إذ إن أغلب الأحكام المرتبطة بهذا الأفق – وإن دونت فيما بعد – تخضع لظاهرة الإسناد من لدن المدونين، وهذا ما يبرز واضحا في كتابي: "أخبار أبي تمام" للصولي، و"الأغاني" للأصفهاني، لا سيما وأن طبيعة هذين المؤلفين تحتم الاعتماد على الإسناد، ما دامت محكومة بالطابع الإخباري. ويدعم رأيي تأكيدُ الدارسين، على اختلاف مشاربهم، أن العصر الأدبي لا ينتهي أو يبدأ في يوم معلوم.
وبناء على ما سبق، فإن زمن معاصري أبي تمام، يشمل أول متلق سمع بيتا للطائي فأصدر حكما تجاهه، إيجابا أو سلبا، وينتهي ببداية القراءة التأملية، المبنية على هذه الآراء الشفهية المدونة؛ مع ضرورة التنبيه إلى بعض التداخل بين نهاية أفق يحتضر، وبداية أفق يتشكل، ويبني قسماته على أنقاض سالفه، فتنتقل إليه بعض الملامح الوراثية، يخالها ناظر امتدادا للأفق السابق، ويميز الناظر عناصرها المتفردة قبل أن يشير إلى الملامح المشتركة.
ومن هنا وجب تحديد أفق توقع هذه المرحلة، وهو أفق كان يؤثر، بلا شك، في التلقي الفردي؛ وإذا كانت موضعة أفق التوقع، أو ما يمكن تسميته بالسنن العام، تقتضي التوقف عند العناصر الثلاثة التي تحدث عنها ياوس([5])، فإني سأؤجل هذا الأمر إلى حين إيراد بعض الأحكام التي أعقبت تلقي شعر أبي تمام، ما دام هذا التلقي هو الذي يرسم معالم ذلك الأفق، وإن كان هذا الأفق يوجه التلقي، ويحكمه.
وانطلاقا من هذه العلاقة الجدلية، أمهد بنص مهم للجاحظ يحدد بعض ملامح أفق توقع المرحلة التي أتحدث عنها، إذ يقول أبو عثمان:
 (ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب، أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل، ورأيت عامتهم – فقد طالت مشاهدتي لهم – لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني. ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعر أظهر.)([6]).
 إن نص الجاحظ يمكن النظر إليه من زاويتين: الأولى تمثل غاية المتلقين، والثانية تمثل اختيارهم، والبون جلي بين الزاويتين، إذ إن الأولى ترتبط  بتلك الرغبة الكامنة، والاستعداد النفسي القبلي الذي يوجه المتلقي إلى نمط محدد من النصوص الشعرية، هذا الاستعداد أو تلك الرغبة يرتبطان باهتمام كل طبقة وانشغالها، وهو ما عبر عنه الجاحظ بالغاية، فهي تمثل البوصلة التي تجعل كل واحد يعمل على شاكلته، فيتجه نحو الأشعار التي تروي ظمأه، وتشبع فضوله، وهكذا يقصد النحوي الأشعار التي تبرز فيها الظواهر الإعرابية، والشواهد النحوية التي تمثل زاده في الاحتجاج، ويولي راوي  الشعر ذاكرته شطر النصوص التي تؤوي ألفاظا غريبة تجذب السامع، أو تحوي معاني متأبية عمن أراد أن يحيط بها علما من النظرة الأولى، ويؤم راوي الأخبار الشعر الذي يشهد بصحة خبره، أو يتضمن مثلا وعبرة تسير في سبيل الخبر الذي يرويه...
أما الزاوية الثانية فتمثل المتلقي البعدي، أي بعد احتكاك المتلقين بالنصوص الشعرية، وهذا ما يفيده الفعل المضارع: "يقفون"، الواقع بين حرفي نفي واستثناء، مما يفيد معنى الحصر الذي يشمل الأشعار المتخيرة، وهي ذات مميزات خاصة، منها ما يرتبط بالمبدع وكده، مثل:"ألفاظ متخيرة، معاني منتخبة"، ومنها ما يرتبط بالنص ونظمه، مثل: "الألفاظ العذبة، المخارج  السهلة"، ومنها ما يرتبط بالمتلقي وتأثره وتأثيره، مثل: "المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام..."، دون أن يعني هذا التصنيف الفصل بين خطوط مثلث العملية الإبداعية: (المتلقي، النص، المبدع)، فالألفاظ المتخيرة، مثلا، هي نص قبل كل شيء، لكنه نص ينطلق من المبدع الذي تخير من احتمالات عديدة، ليصل إلى المتلقي الذي يؤثر فيه ذلك الاختيار، مما يحقق الانسجام بين اختياره واختيار المبدع.
 لكن هذه الزاوية الثانية، خلافا للأولى، تختلف فيها القدرات، وتتفاوت فيها المهارات، لذا يعطي الجاحظ قصب السبق لفئتين: الأولى تمثل فئة المتلقين، وهي فئة رواة الكتاب، والثانية تمثل المبدعين، وهي فئة حذاق الشعراء؛ وإنما صنفت الفئة الأولى ضمن المتلقين لأن عبارة: "البصر بهذا الجوهر" تشير إلى أداة التلقي :النظر والتأمل، وجعلت الثانية في نطاق المبدعين لاستعمال أبي عثمان أداة الإبداع  هذه المرة: اللسان.
وانطلاقا من هذا الأفق العام الذي وجه عملية التلقي في ذلك العصر، ارتأيت تفييء المتلقين حسب "جماعة التفسير" التي ينتمون إليها، وهي الجماعة التي توجه – ولو بطريقة ضمنية – عملية القراءة بشكل خاص، وتصنع الموقف الجمالي للمتلقي الذي ينتمي إليها بشكل عام؛ مع التنبيه إلى التداخل الحتمي بين هذه الجماعات، فكم من أمير كان أديبا شاعرا، وكم من أديب كاتب كان من فطاحلة اللغة... لكن رغم هذا التداخل، فإنني اعتمدت السمة العامة التي اشتهر بها المتلقي المعاصر لأبي تمام، وبعد استقراء النصوص التي عكست تلقي شعر أبي تمام من لدن معاصريه، خلصت إلى   فئات وزعتها عبر فصول هذا الكتاب.





[1] - خطاب التفاعل: شعر أبي تمام والنقد القديم ص 5.
 - جمالية التلقي، ص 35.[2]
 - فعل القراءة، ص 12.[3]
 - نفسه، ص 12.[4]
[5]  - جمالية التلقي ص 44 إذ يقول: (ونقصد بأفق التوقع نسق الإحالات القابل للتحديد الموضوعي، الذي ينتج وبالنسبة لأي عمل في اللحظة التاريخية التي ظهر فيها، عن ثلاثة عوامل أساسية: تمرس الجمهور السابقُ بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه هذا العمل، ثم أشكال وموضوعات أعمال ماضية تفترض معرفتها في العمل، وأخيرا التعارض بين اللغة الشعرية واللغة العملية، بين العالم الخيالي والعالم الواقعي).
 - البيان والتبيين، 4/24.[6]