الخميس، 28 أغسطس، 2014

حول ظاهرة الخرم وأثَرها في البِناء الشعري- أ. د. أحمد عبد الدايم

حول ظاهرة الخرم وأثَرها في البِناء الشعري[1]



مقدمة:
تناولتُ في بحْثي "البحور الشِّعرية المهملة بيْن الواقع المستعمل والفرْض المستحيل" المنشور في حولية "كلية دار العلوم"، جامعة القاهرة، العدَد العاشر 1982م، زحاف الخرم، وقد حاولتُ مِن خلاله ردِّ كثير مِن شواهد البحور المهمَلة في الشِّعر العربي إلى شواهد مِن بحور مستعملة، ولمستُ مِن خلال البحث ومِن خلال ما قدَّمتُه للمكتبة العربية من كُتب العَروض محقَّقة، أنَّ هناك كثيرًا من الزحافات والعِلل تحتاج إلى دراسة، وإعادة نظَر قد نستطيع بها إلقاءَ الضوء على ما غَمُض منها، وبالتالي نذلِّل بعضَ العقبات أمامَ الدارسين للشِّعر، والقارضين له، وهي على كلِّ حال نظرةُ مجتهد مبنيَّة على ما ورَد في تراثنا العَروضي، الذي ما زالتْ كنوزه مخبوءةً بفِعل تركيز العلماء لجهودهم على درْس اللغة والنحو والصَّرْف دون العَروض، حتى صارتْ مكتبتنا العربية فقيرة في هذا العِلم قياسًا على أفْرُع العلوم الأخرى، بل إنَّ الذين يجرؤون على الغوْص في بحور عِلم العَروض، أحسبهم لا يَزيدون على عدد أصابع اليدين إلاَّ قليلاً، فلعل مقالة الجاحِظ عنه بأنه "علم مستبرد" لا فائدةَ له ولا محصول" جعلتْهم يهابون درسه ويعزفون عن الخوضِ في مسائله، أو ربَّما صرفَهم عنه عجزُ الأصمعي عن أن يحذق هذا الفن، وصرْف الخليل له عن درْسه في لطف بقوله:

السيف أصدق إنباء من الكتب 
في حده الحد بين الجد واللعب

وليس العَروض بهذا القدْر المبالَغ فيه من الصعوبة والجفاء، كما أنَّه لا يتطلَّب قدرًا وافيًا من الذكاء، كل ما في الأمر أنَّ العَروضي يحتاج إلى أُذن موسيقيَّة مع قُدرة على تحصيل مصطلحاته واستيعابها، ثم إنَّه ذلك العِلم الذي يهيِّئ للناقد قدرةً على معرفة ما إذا كان الشاعِر يُجيد فنَّ النظم ويقدِر على تصريف الكلام، ويُقيم الأوزان أم لا.

على أنَّ الأمر الذي يبْعَث في النفس السرور، هو ازدهارُ الدِّراسات العَروضيَّة بصورة ملحوظة في النِّصف الأخير مِن هذا القرْن، ونشاط الدَّارسين في درْسهم لقضاياه، وإدْخال الحاسبات الآلية في رصْد ظواهره وقِراءة دوائره، بل إنَّ الأمر لم يبقَ وَقفًا على الرِّجال وحدَهم، بل زاحمهم النساء في درْسه والتغلغل في مشاكله، مما يبشِّر بخير كبير، وإن كنَّا نطمع في المزيد.

الخرم في اللغة:
يقول الجوهري[2]: "والخرْم مصدر قولك، خرمتُ الخرز، أخرِمه بالكسر إذا أتأته، وما خرمتُ منه شيئًا، أي ما نقصتُ وما قطعت؛ "أي: إنَّ الخرْم" نوع مِن النقص، أو القطْع، ومنها قولنا "هذه مخطوطة أصابها خرْم؛ أي: نقص في ورقِها أو قطع فيه".

الخرم في الإصطلاح:
يقول ابن القطَّاع[3]: "هو إسقاطُ المتحرِّك الأوَّل مِن الجزء الأوَّل من البيت".

ويقول الزمخشري[4]: "والخرم أن تُسقِط أوَّل الوتد المجموع في أوَّل البيت".

بين الخرم والخزم:
الخزم (بالزاي) مِن عِلل الزيادة، وهو زِيادة تلحق أوَّل صدْر البيت أو أوَّل العجُز، وتتمثَّل في زيادة حرْف أو حرفين أو ثلاثة، وأقْصى زيادة أربعة أحرف، وقد قال في ذلك ابنُ القطاع[5] وقدْ جاء عن العرَب الخزم "أخذ مِن خزمت البعير، إذا جعلت في أنفه خزامة، وهو زيادة حرْف في أول جزء من البيت، ويكون بزيادة ثلاثة أحرُف ويكون بزيادة أربعة، كما رُوي عن علي - رضي الله عنه - في أوَّل جزءٍ مِن البيت، أنه قال:


اشْدُدْ * حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإِنَّ الْمَوْتَ لاَقِيكَا

اشدد* حيازيم * كللموت فإنا لمو * تلاقيكا 

فعلن * مفاعيل * مفاعيل مفاعيلن * مفاعيلن 

/ه/ه* //ه/ه/* //ه/ه/ //ه/ه/ه * //ه/ه/ه 

وعلَّق قائلاً: "اشدد كلُّها خزْم، والبيت من الضَّرْب الأول في الهزج" [6].

أما الخرم (بالراء) فهو مِن عِلل النَّقْص، التي تلحَق الجزء الأوَّل مِن صدر البيت بشرط أن يكون وتدًا مجموعًا، يقول ابنُ القطَّاع عن الخرم: "وهو إسقاط المتحرِّك الأوَّل من الجزء الأول مِن البيت "ويُعلِّل تسميته بقوله: "وإنَّما سُمِّي خرمًا؛ لأنَّه قطع بعضه"، ومثَّل له بقول الشاعر:

لَمَّا رَأَيْتُ الخَيْلَ زُورًا كَأَنَّهَا 
جَدَاوِلُ زَرْعٍ خُلِّيَتْ فَاسْبَطَرَّتِ 

لم ما. رأيتل خي. لزورن. كأن نها  جداو. لزرعن خل. ليت فس. بطررتي

فعلن. مفاعيلن. فعولن. مفاعيلن  فعول. مفاعيلن. فعولن. مفاعلن

حيث صارت "فعولن" في أوَّل البيت إلى عُولن، وحوِّلت إلى فعلن (/ه/ه) متحرِّك فساكن، والأصْل متحرِّكان فساكن (فعولن) دخَلَها الخرم بحذْف أولها المتحرِّك، ومعنى هذا أنَّ الزحافين كليهما يتعلَّقان بأوَّل البيت، الخزم بالزيادة فيه، والخرم بالنقص منه.

الخرم بين أيدي العَروضيِّين:
اختلفتْ آراء علماء العَروض حولَ موقِع الخرم في البيت الشِّعري اختلافًا بيِّنًا، منذُ عهد الخليل بن أحمد - رحمه الله - وكان لكلٍّ منهم رأيُه ودليلُه عليه:

فأولاً: نرَى الخليل، يقول: "إنَّ الخرم لا يكون إلاَّ فيما أوله وتدٌ مجموع"[7].

ومعنى هذا أنَّ الخليل حصَر الخرم في البحر  "الطويل" مِن الدائرة الأولى و"الوافر" من الدائرة الثانية و"الهزج" مِن الدائرة الثالثة، و"المضارع" مِن الدائرة الرابعة، و"المتقارب" من الدائرة الخامِسة؛ أي: بحرًا واحدًا مِن كل دائرة.

والمفهوم مِن كلام الخليل، أيضًا، أنَّه يجوز إسقاط المتحرِّك الأوَّل أو الثاني من الوتد المجموع، حيث لم يحدِّد صراحةً أيهما يسقط في الكلام.

وكذلك، لم يحدِّد ما إذا كان ذلك يقَع في أوَّل الصدر أو أوَّل العجْز من البيت.

ثانيًا: أمَّا الأخفش (سعيد بن مسعده ت 215هـ)، فقد ذكر حين حديثِه عن الزَّحاف في (مستفعلن) حينما يدخله التشعيث، وهو حذْف سابعه الساكن، وتسكين ما قبله، وبه صار إلى "مفعولن" يقول[8]: وأمَّا مفعولن فجاءت مع "فاعلاتن" لخفَّة هذا الشِّعر، ولأنَّ اللفظ به يشبه اللفظ بالغناء، وإنَّما حذف مِن الوتد، وقال بعضهم: حذف الأوَّل لأنَّ أول الأوتاد يحذف للخرْم، وقال بعضهم: لا بل حذف الثاني؛ لأنَّه وسط، فكان أقوى له، والأوَّل يلي السبب، ويلي موضِع الاعتدال وحذْف الأوَّل أقيس.

ونرَى الأخفش - رحمه الله - يذهب مذهبَ الخليل، في أنَّ أول الأوتاد يقَع فيه الخرم، من غير تحديد لمكان الجزْء الذي يقَع فيه أكان في أوَّل الصَّدْر أم في أول العجُز.

ثالثًا: وقد فهمتُ من كلام الجوهري - المتوفى في 393هـ في كتابه "عَروض الورقة" أنه يرى أنَّ الخرم لا يكون إلا في الوتد المجموع، وفي أوَّل جزء من البيت، يقول في نهاية درْسه لبحر الكامل[9]: "وإنما لم يجز الخرم في الكامل؛ لأن الحرف الثاني وإن كان متحرِّكًا، فهو في حكم الساكن"، ومعنى هذا بوضوح "لأنَّه لم يبدأ بوتد مجموع".

ويقول عن "الطويل"، وهو مِن البحور التي يقَع فيها يقول[10]:
"ويجوز في أوَّل جزء منه" "الثلم"، وهو خرم الفاء منه فيبقى  "عولن"، فينقل إلى مِثل وزنه وهو فعلن.

إلا أنَّني من خلال دَرْسي لكتابه "عروض الورقة" وجدتُ له صورًا استشهد بها، وقد ورد فيها خرم جزئه الأوَّل من الصدر والعجُز، من ذلك قول الشاعر[11]:
قُلْنَا لَهُمْ وَقَالُوا كُلٌّ لَهُ مَقَالُ

فالبيت - كما هو واضح - دخَله الخرم في أول العجُز، كما دخَله في أوَّل الصدر فجزؤه الأول (قلنال) دخَله الخرم بحذف أوَّل التفعيلة المتحرِّك، ودخله الكف بحذف النون، فصارتْ (مفاعيلن) إلى (فاعيل)، وحوِّلت إلى (مفعول) أمَّا جزؤه الأوَّل من العجُز، فهو (كل لن ل) فقدْ دخَله الخرم بحذْف أوَّل التفعيلة المتحرِّك، ودخله الكف أيضًا، فصارتْ (مفاعيلن) إلى (فاعيل) وحوِّلت إلى (مفعول).

رابعًا: ابن القطاع "علي بن جعفر 515هـ":
أمَّا ابن القطَّاع، فقد نظَر إلى القضية نظرةً فيها جُرأة مبنيَّة على ما عنده مِن شواهد من التراث العربي، فهو يرَى أنَّ الخرم يأتي في أوَّل الصدر، كما يأتي في أوَّل العجُز، يقول[12]: "وقد جاء عن العرَب الخرم في الجزء الأوَّل مِن النصف الأخير مِن البيت، وهو قليل، قال الأعشى:

فَمُوتُوا كِرَامًا بِأَسْيَافِكُمْ 
فَالْمَوْتُ يَجْشَمُهُ مَنْ جَشِمْ

حيث جاء الجزء الأوَّل من العجُز (فالمو) على (فعلن) بحذْف أول فعولن (المتحرك).

كما أنَّه يرَى أيضًا أنَّ الخرم يأتي في غير الوتد المجموع، خلافًا للخليل والأخفش، فقد يأتي في ثواني الأسباب الثقيلة، وأوَّل الأسباب الخفيفة.

يقول[13]: "ذكَر الخليل أنَّ الخرم لا يكون إلا فيما أوله وتد مجموع، وهذا يختلُّ عليه؛ لأنَّه قد جاء في أشعار العرَب الفصحاء غير ذلك، وقد جاء في الكامل بعدَ الوقص، وهو ذَهاب الثاني المتحرِّك من "متفاعلن" في قول يَزيد الحميري شاهده:

هَامَةٌ تَدْعُو صَدًى بَيْنَ الْمُشَقَّرِ فَالْيَمَامَهْ 

هامتن. تدعو صدا بينل مشق. قرفل يمامه 

فاعلن. مستفعلن مستفعلن. متفاعلن 

/ه//ه[14] /ه/ه//ه /ه/ه//ه. ///ه//ه/ه 

ومعنى هذا بوضوحٍ أنَّ ابن القطاع يرَى الخرم يقَع في غير الوتد المجموع، بل يقَع في أوَّل الأسباب، وفي غير البُحور التي قرَّرها الخليل، بل في وسط التفعيلة.

والأكثر مِن هذا أنَّ ابن القطَّاع يُبيح وقوع الخرم في بحْر المنسرِح بحذف أوَّل السبب الخفيف الثاني مِن مستفعلن، وهو أيضًا ليس مِن البحور التي تبدأ بوتد مجموع كما قرَّر الخليل حسبما ذكرْنا سالفًا؛ يقول ابن القطاع[15]: "وجاء - الخرم - في المنسرح بعدَ الخبن، وهو ذَهاب الثاني الساكن، في قول الشمَّاخ بن عوف بن يعمر الكناني، شاهده:
قَاتِلِ الْقَوْمَ يَا خَزَاعِ وَلاَ يَدْخُلْكُمُ مِنْ قِتَالِهِمْ فَشَلُ

قاتلل. قوم ياخ. زاعولا يدخلكمو. من قتال. هم فششلو
[16] فاعلن. فاعلات. مفتعلن مستفعلن. فاعلاتُ. مفتعلن

ويقول في حسْم واضح:[17] "وهو جائزٌ على هذا، مستعمل في سائرِ أجناس الشِّعر بعدَ ذَهاب المانع لذلك".

إلا أنَّني أرى أنَّ ابن القطاع، مع هذا، لم يخرجْ عن إطار الخليل بن أحمد في أنَّ الخرم إنما يكون في الجزءِ الأوَّل من البيت.

خامسًا: جار الله الزمخشري (ت538هـ):
لقدْ ذَهَب الزمخشري في مذهب السكَّاكي وابن القطاع، حيث أجاز وقوعَ الخرم في أوَّل العجُز مع كثرة وقوعه في أوَّل الصدر، يقول:[18] "ولا يجوز الخرمُ - عند الأكثر - إلا في الصَّدْر، وقد جوزوا في الابتداء، كقوله:[19]
فَلَمَّا أَتَانِي وَالسَّمَاءُ تَبُلُّهُ قُلْتُ لَهُ: أَهْلاً وَسَهْلاً وَمَرْحَبَا

قلت = فعل بدلاً من فعولن وهو أول العجز.

بل إنَّ الزمخشريَّ يرَى أنَّ الخرم قد يقَع في أوَّل الصدر وأوَّل العجُز في بيت واحد يقول:[20] "وقد جمَع الآخَرُ الأمرين جميعًا في قوله:

لَكِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمَّا أَتَيْتُهُ 
أَعْطَى عَطَاءً لاَ قَلِيلاً وَلاَ نَزِرَا 

والبيت مِن الطويل، خرم أوله (لاكن = فعلن بدلاً من فعولن) وخرم أول عجُزه (أعطى - فعلن بدلاً من فعولن) أيضًا.

سادسًا: السكاكي، أبو يعقوب يوسف:
ويقول السكَّاكي في معرِض حديثه عن الزَّحافات والعِلل[21]، وها هنا نوعٌ مِن النُّقصان، يُسمَّى "الخرم"، ونوعٌ مِن الزيادة يُسمَّى (الخزم)، فالخرم إسقاط المتحرِّك الأوَّل من الوتد المجموع في الجزء الصَّدري لعُذر يتَّفق واضح، وربَّما وقع في الجزء الابتدائي[22]، وأنَّه عندي رذِل لا أورده في الاعتبار، فاعلم".

والسكَّاكي يسير في قوله هذا على نهْج الخليل والأخْفش، في أنَّه يرى أنَّ الخرم لا يكوم إلاَّ في الوتد المجموع من أوَّل الصدر إلا أنَّه زاد عليهما في أنَّه يجوز وقوعه في أوَّل العجُز، وإنْ كان يسترذل ذلك، أضِف إلى ذلك أنَّه اشترط لوقوع الخرم عمومًا أن يكونَ للشاعر عذرٌ واضح في الإتيان به.

وأرى أنَّ السكاكي يسيرُ على نهج ابن القطاع في إباحة وقوعِ الخرم في أول العجُز.

سابعًا: عبدالقادر بن عمر البَغدادي (1093هـ):
وإذا ما واصلنا البحْث والدِّراسة حولَ هذه الظاهرة عندَ بعض المتأخرين، فإنَّنا نراهم أكثرَ وضوحًا من سابقيهم، كما أنَّهم حسَموا الأمر حسمًا قاطعًا، من أولئك البغدادي صاحِب "حاشية على شرْح بانت سعاد لابن هشام"، حيث يقول عن الخرم[23]: "والخرم حذف أوَّل الوتد المجموع في أوَّل البيت وأينما وقَع، أولاً كان أم لا، ولا يجوز في أول المصراع منه ولا في السبب الثقيل على الصحيح فيها.

هكذا يقرِّر أنَّ الخرم يقع في أيِّ بيت من القصيدة سواء أكان في مِصراعها أم في أي بيت آخَر منها، وهذا رأي جديرٌ بالاحترام، ونحن معه فيه، والنماذج التي بين أيدينا تدلِّل على ذلك، إلا أنَّنا لا نقرُّه في عدم تجويز وقوعه في العجُز، وفي السبب الثقيل؛ لأنَّ الخرم ورَد فيهما كما سبق أن أشرْنا عند حديثنا عن ابن القطَّاع.

ويُحدِّثنا البغدادي عن سببِ وقوع الخرم فيقول[24]: "قال ابن رشيق في العمدة، إنَّما جاز الخرم في أشعار العرَب؛ لأنَّ أحدهم يتكلم بالكلام على أنَّه غير شِعر، ثم يرى فيه رأيًا، فيصرفه إلى الشِّعر في أي وجه شاء، ومِن هنا احتمل لهم وقَبُح على غيرهم".

وهذا الرأي رغم وجاهته إلا أنَّه يُوحي بأنَّ الشعراء ينظمون بطريقة عفوية دون تهيؤ ذِهني سابِق، ولو كان الأمر أنَّ الشاعر يتكلَّم بالكلام على أنَّه غير شِعر، ثم يصرِفه إلى الشِّعر، لاستطاع الشاعِر إدراك ذلك وصحَّحه، كما أنَّ هذا القول يتناقض مع ما قاله قبل ذلك مِن أنَّ الخرم يقَع في أيِّ بيت مِن القصيدة؛ أي: إنَّه يقَع بعدَ أن يصرف الشاعِر قوله إلى الشِّعر، بمعنى أنَّ الخرم أحيانًا يقَع وقبله شِعر وبعده شِعر، فأين الكلام؟ وأين الصَّرْف إلى الشعر؟ والبغدادي يرَى أنَّ الخرم عيب، يُعاب مرتكبه، ويرى أنَّ مستكره عندَ العرب، يقول[25]: والخرْم مستكرَه عندَ العرب، وإنما يقَع في الضرورة، ولم يجزه جماعة المولدين، وجوزَّه بعضهم بكراهة؛ ولهذا عاب بعضُ كتَّاب عبدالله بن طاهر ذلك على أبي تمَّام، وهو أوْلى الناس بطريقة العرَب حين قال:
"... هُنَّ عَوَادِي يُوسَفٍ وَصَوَاحِبُهْ... "

وهذا الرأي لا نقرُّ البغدادي عليه؛ لأنَّنا نعتبر الخرم رخصةً تُباح للشاعر يجوز له الإتيان بها، ولا أدْري ما العلَّة التي جعلتْه يبيحها للأقدمين ويَمنع المولدين منها، مع أنَّ مذهب من قبلنا مذهبٌ لنا، وما جاز لهم يجوز لغيرِهم، كما أنَّ الأقدمين حين ارْتكبوا الخرم، فقدِ ارتكبوه لأسباب عرَضَتْ لهم سنذكرها، وهذه الأسباب نفسها تعرِض للمولّدين ولغيرهم مِن قارضي الشِّعر العربي؛ ولذا نرى أنَّ الخرم يجوز للجميع وفي كلِّ العصور.


أمثلة لوقوع الخرم في بحور الشعر
أولاً: بحر الطويل:
قال الشاعر[26]:

هَاجَكَ رَسْمٌ دَارِسٌ بِاللِّوَى 
لِأَسْمَاءَ عَفَّى آيَهُ الْمَوْرُ وَالْقَطْرُ

"هاج" فعل، دخَلها الخرم بحذف أولها المتحرِّك، فصارتْ به "فعولن" إلى "عولن" وحوِّلت إلى "فعلن" ودخَلها القبض بحذْف خامِسها الساكِن فصارتْ (فعل).

وقال الشاعر[27]:

شَاقَتْكَ أَحْدَادُ سُلَيْمَى بِعَاقِلٍ
فَعَيْنَاكَ لِلْبَيْنِ تَجُودَانِ بِالدَّمْعِ

جزؤه الأول (شاقت) "فعلن" حيث حذف الأوَّل المتحرِّك من "فعولن"، وقال الشاعر[28]:

لَمَّا رَأَيْتُ الخَيْلَ زُوَرًا كَأَنَّهَا 
جَدَاوِلُ زَرْعٍ خُلِّيَتْ فَاسْبَطَرَّتِ 

جزؤه الأول "لم ما" فعلن دخَلها الخرم بعدَ أن كانت "فعولن"، وقال الشاعر[29]:

قَوْمٌ إِذَا رِيعُوا كَأَنَّ سَوَامَهُمْ 
عَلَى رَبْعٍ وَسْطَ الدِّيَارِ تَعَطَّفُ

جزؤه الأول (قوم) على "فعلن" وهي "فعولن" وقد دخلَها الخرم.

وقال الشاعر[30]:

لَكِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمَّا أَتَيْتُهُ 
أَعْطَى عَطَاءً لاَ قَلِيلاً وَلاَ نَزِرَا 

جزؤه الأول "لاكن"، وزنه "فعلن" والأصل "فعولن" دخلَه الخرم، وجزؤ العجُز الأول "أعْطَى" وزنه "فعلن" دخلَه الخرم أيضًا.

وقال الشاعر[31]:

كَانَتْ مِنَ اللاَّ لاَ يُعَيِّرُهَا ابْنُهُا
إِذَا مَا الغُلاَمُ الْأَحْمَقُ الأُمَّ عَيَّرَا 

جزؤه الأول (كانت) فعل دخَله الخرم وأصلُه فعولن، وقال الشاعر[32]:

فَدُومِي عَلَى العَهْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا 
أَمْ أَنْتِ مِنَ اللاَّ مَا لَهُنَّ عُهُودُ 

في العجز جزؤه الأول "أم أن" "فعلن" دخله الخرم.

وقال الشاعر[33]:

لَوْلاَ بَنُوهَا حَوْلَهَا لِخِطْبَتِهَا 
كَخِطْبَةِ عُصْفُورٍ وَلَمْ أَتَلَعْثَمِ

جزؤه الأول (لولا) فعلن، دخله الخرم.

وقال الشاعِر[34]:

قَالَتْ حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ هَا هُنَا 
أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنْتَ بِالْحَيِّ عَارِفُ

جزؤه الأول (قالت) فعلن، دخَله الخرم.

وقال الشاعر:(أبو ذؤيب)[35]:

مَا بَالُ عَيْنِي لاَ تَجِفُّ دُمُوعُها 
كَثِيرًا تَشَكِّيهَا قَلِيلاً هُجُوعُهَا 

(ما با) فعلن.

وقال الشاعِر [36]صخر:

لَسْتُ بِمُضَطَرٍّ وَلاَ ذِي ضَرَاعَةٍ 
فَخَفِّضْ عَلَيْكَ القَوْلَ يَابَا الْمُثَلَّمِ 

(لست) فعل.

وقال الشاعر[37] (أبو جندب):

فَرَّ زُهَيْرٌ رَهْبَةً مِنْ عِقَابِنَا 
فَلَيْتَكَ لَمْ تَفْرِرْ فَتُصْبِحَ نَادِمَا 

(فر) فعل.

وقال الشاعر[38] (معقل بن خويلد):

أَبْلِغْ أَبَا عَمْرٍو وَعَمْرًا كِلَيْهِمَا 
وَجُلَّ بَنِي دُهْمَانَ عَنِّي الْمَرَاسِلاَ 

(أبلغ) فعلن.

وقال الشاعر [39] (مالك بن خالد):

قُلْتُ لِوَهْبٍ حِينَ زَالَتْ رَحَاهُمْ 
هَلُمَّ تُغْنِّينَا رَدًى وَالْمُرَاقِبُ 

قلت (فعل).

وقال الشاعر[40] (طرفة):

لاَ غَرْوَ إِلاَّ جَارَتِي وَسُؤَالُهَا 
أَلاَ هَلْ لَنَا أَهْلٌ سُئِلْتِ كَذَلِكِ

لا غر (فعلن).

وقال الشاعر[41] (ضابي بن أبي الحارث الرحمى):

مَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ 
فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ 

قال الشاعر[42] (النابغة):

إِنْ يَرْجِعِ النُّعْمَانُ نَفْرَحْ وَنَبْتَهِجْ 
وَيَأْتِي مُعَدًّا مُلْكُهُا وَرَبِيعُهَا 

(إن ير) فعلن.

قال الشاعر[43] (طرفة):

يَا عَجَبًا مِنْ عَبْدِ عَمْرٍو وَبَغْيِهِ 
لَقَدْ رَامَ ظُلْمِي عَبْدُ عَمْرٍو فَأَنْعَمَا

" باع " فعل.

قال الشاعر طرفة[44]:

إِنَّا إِذَا مَا الغَيْمُ أَمْسَى كَأَنَّهُ 
سَمَاحِيقُ تُرْبٍ وهِيَ حَمْرَاءُ حَرْجَفُ 

(إنا) فعلن.

قال الشاعر عنترة[45]:

لِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَ مَالِكٍ 
عَقِيرَةَ قَوْمٍ إِنْ جَرَى فَرَسَانِ 

"للا " فعلن.

قال الشاعر علقمة[46]:

وَدَّ نُفَيْرٌ لِلْمُتَكاوِرِ أَنَّهُمْ 
بِنَجْرَانَ فِي شَاءِ الحِجَازِ المُوَقَّرِ 


(ود) فعل.

قال الشاعر أوس[47]:

لَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ قَيَّدَ نَائِلِي 
وَأَمْلَقَ مَا عِنْدِي خُطُوبٌ تَنَبَّلُ

(لما) فعلن.

قال الشاعر[48] (ركاض الدبيري):

لاَ ذَنْبَ لِي إِذْ بِنْتُ زَهْرَةَ دُبِّسَتْ 
بِغَيْرِكَ أَلْوَى يُشْبِهُ الحَيَّ بَاطِلُهْ 

(لاذن) فعلن.

قال الشاعر (ليلى الأخيلية)[49]:

آلَيْتُ أَبْكِي بَعْدَ تَوْبَةَ هَالِكًا 
وَأَحْفِلُ مَنْ دَارَتْ عَلَيْهِ الدَّوَائِرُ 

(آلى) فعلن.

قال شاعر بني همران[50]:

مَا كَانَ أَغْنَى الْيَشْكُرِيُّ عَنِ الَّتِي 
تَصْلَى بِهَا جَمْرًا مِنَ النَّارِ حَامِيَا 

(ماكا) فعلن.

قال امرؤ القيس[51]:

وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدُرَةٌ 
شُقَّتْ مَآقِيهَا مِنْ أخَر 

(شقت) في العجز فعلن.

فَلَمَّا أَتَانِي وَالسَّمَاءُ تَبُلُّهُ 
قُلْتُ لَهُ أَهْلاً وَسَهْلاً وَمَرْحَبَا

جزؤه الأول في العجز (قلت) فعلن دخله الخرم.

ثانيًا: بحر الوافر
قال الشاعر[52]:

مَا لَكَ لاَ تَشُوقُكَ الدِّيَارُ 
أَمِنْ كِبْرٍ عَلاَكَ أَمِ اصْطِبَارِ

جزؤه الأول (مالكلا) دخله الخرم بحذْف أوَّل الوتد المجموع، فصارتْ مفاعلتن إلى فاعلتن وحوِّلت مفتعلن.

وقال الشاعر[53]:

إِنْ نَزَلَ الشِّتَاءُ بِدَارِ قَوْمٍ 
تَجَنَّبَ جَارَ بَيْتِهِمُ الشِّتَاءُ 

جزؤه الأول (إن نزلش) على وزن مفتعلن، وقد دخَله الخرم بحذْف أوَّل وتده المجموع، فصارتْ مفاعلتن إلى فاعلتن، وحوِّلت إلى مفتعلن.

وقال الشاعر[54]:

مَا قَالُوا لَنَا سُدُدًا وَلَكِنْ 
تَفَاقَمْ أَمْرُهُمْ فَأَتَوْا بِهُجْرِ

الجزء الأوَّل (ما قالوا) مفعولن، أصلها "مفاعلتن" التي حُذِف أوَّلها بالخرم، وحذف خامسها المتحرِّك.

وقال الشاعر[55]:

لَوْلاَ مَلِكٌ رَؤُفٌ رَحِيمٌ 
تَدَارَكَنِي بِرَحْمَتِهِ هَلَكْتُ 

الجزء الأول (لولام) وزنها مفعول، أصلها مفاعلتن حدث فيها:
1- خُرمت بحذف أولها المتحرِّك فصارتْ فاعلتن.

2- حُذِف سابعها الساكن فصارتْ فاعلت.

3- سكن خامسها المتحرِّك فصارت فاعلت وحوِّلت إلى مفعول.

وقال الشاعر[56]:

أَنْتَ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا 
وَأَكْرَمُهُمْ أَخًا وَأبًا وَأُمَّا 

الجزء الأول (أنت خي) على وزن (فاعلن)، وأصل التفعيلة "مفاعلتن" دخَلَها الخرم بحذْف أوَّلها المتحرِّك، وحذف خامسها المتحرِّك فصارتْ (فاعلتن)، وحوِّلت إلى "فاعلن".

وقال الشاعر[57]:

فَالدَّارُ زَادَتْنِي نُحُولاً 
عَلَيْهَا كُلَّمَا ازْدَادَتْ مُحُولاَ 

الجزء الأول "فالدار" على وزن مفعولن دخَلها خرم بحذف أوَّل مفاعلتن المتحرِّك، ثم سكِّن خامسها المتحرِّك فصارتْ "فاعيلن"، أو فاعلتن، وحوِّلت إلى مفعولن.

وقال الشاعر[58]:

وَاهًا لِهُنَيْدٍ ثُمَّ وَاهًا 
صَفَتْ لِزَوْجِهَا وَلِي هَوَاهَا 

الجزء الأول "واهنل" على وزن "مفعولن"، وأصل التفعيلة "مفاعلتن" حدَث فيها ما يأتي:
1- دخَلها الخرم بحذْف أولها المتحرِّك فصارت "فاعلتن".

2- سكِّن خامسها المتحرِّك فصارت "فاعلتن".

3- حُذِف سابعها الساكِن فصارت "فاعلت"، وحوِّلت إلى "مفعولن".

قال الشاعر[59] (يزيد بن سنان):

لَمَّا أَنْ رَأَيْتُ بَنِي حُيَيٍّ 
عَرَفْتُ شَنَاءَتِي فِيهِمْ وَوِتْرِي 

(لما أن) مفعولن، وأصلها (فاعيلن) بعد الخرْم.

قال الشاعِر[60] (عوف بن الأخوص):

هَدَمْتَ الْحِيَاضَ فَلَمْ يُغَادِرْ
لِحَوْضٍ مِنْ نَصَائِبِهِ إِزَاءُ 

(هدمتل) مفتعلن، وأصلها (فاعلتن) بعد الخرم.

قال الشاعر[61]: (أبو جندب):

أَبْلِغْ مَعْقِلاً عَنِّي رَسُولاً 
مُغَلْغَلَةً وَوَاثِلَةَ بْنَ عَمْرِو 

(أبلغ مع) مفعولن.

قال الشاعر[62] (أبو العيال):

بَعْضُ الْأَمْرِ أَصْلِحْهُ بِبَعْضٍ
فَإِنَّ الغَثَّ يَحْمِلُهُ السَّمِينُ

(بعض لأم) مفعولن.

قال الشاعر[63] (زهير):

قَالَتْ أُمُّ كَعْبٍ لاَ تَزْرُنِي 
فَلاَ وَاللَّهِ مَا لَكَ مِنْ فِرَارِ

(قالت أم) مفعولن.
قال الشاعر[64] (عنترة بن شداد العبسي):

إِنْ تَكُ حَرْبُكُمْ أَمْسَتْ عَوَانًا 
فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ مِمَّنْ جَنَاهَا 

(إن تك حر) مفتعلن.

قال الشاعر[65] (صخر):

لَيْتَ مُبَلِّغًا يَأْتِي بِقَوْلِي 
لِقَاءَ أَبِي الْمُثَلَّمِ لاَ يَرِيثُ

(ليت مبل) مفتعلن.

ثالثًا: بحر الهزج
قال الشاعر[66]:

قُلْتُ لاَ تَخَفْ شَيْئًا
فَمَا يَكُونُ يَأْتِيكَا 

(قلت لا) فاعلن، وأصلها مفاعيلن قبل الخرم، وقد حُذِف خامسها الساكن.

قالت الشاعرة[67] (ابنة الخس):

قَالَتْ قَالَةُ أُخْتِي 
وَحَجْوَاهَا لَهُ عَقْلُ 

تَرَى الفِتْيَانَ كَالنَّخْلِ 
وَمَا يُدْرِيكَ مَا النَّخْلُ 

البيت الأوَّل دخله الخرْم في جزئه الأوَّل، وهو:
(قالت قا) فاعيلن، وأصلها (مفاعيلن)، وقد حوِّلت إلى (مفعولن).

قال الشاعر[68]:

أَدُّوا مَا اسْتَعَارُوهُ 
كَذَاكَ العَيْشُ عَارِيَة

جزؤه الأول (أددومس) على وزن (فاعيلن)، والأصل "مفاعيلن"، وقد دخلها الخرم بحذْف أولها المتحرِّك، فأصبحت "فاعيلن"، وحوِّلت إلى " مفعولن ".

قال الشاعر[69]:

لَوْ كَانَ أَبُو بِشْرٍ 
أَمِيرًا مَا ارْتَضَيْنَاهُ

جزؤه الأول (لوكان) "مفعول" دخلَه الخرم بحذْف الأوَّل المتحرِّك من (مفاعيلن)، فصارتِ التفعيلة "فاعيلن"، وحوِّلت إلى "مفعولن"، ثم كُفَّت فصارت (مفعول).

قال الشاعر[70]:

فِي الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا
وَفِيمَا قَدَّمُوا عِبْرَة 

جزؤه الأول (فل لذي) على وزن (فاعلن)، وأصلت التفعيلة "مفاعيلن" حدَث فيها:
1- حذف الأوَّل المتحرِّك بالخرم فصارت "فاعيلن".

2- حذف خامِسها الساكِن فصارتْ "فاعلن".

رابعًا: بحر الكامل
قال الشاعر[71]:

غَيْرَ إِنْ كَثُرَ الأُسُودُ وَأَهْلَكَتْ 
صُرَفُ الْمَنُونِ أَكَابِرَ الأَقْوَامِ 

جزؤه الأول "غير إن" وزنه "فاعلن" وأصلها "متفاعلن"، ودخلها الخرم فصارت "تفاعلن"، وحذف ثانيها المتحرِّك فصارت (فاعلن) بالخرم والوقص.

وقال الشاعر[72] الزبرقان بن بدر:

لِي ابْنُ عَمٍّ لاَ يَزَا 
لُ يَعِيبُنِي وَيُعِينُ عَائِبْ

(لي بنعم) مفاعلن، وأصلها (تفاعلن) بعدَ الخرم من متفاعلن.

قال الشاعر[73]:
هَامَةٌ تَدْعُو صَدًى بَيْنَ الْمُشَقَّرِ فَالْيَمَامَةِ

جزؤه الأول "هامتن" على وزن "فاعلن"، وأصلها متفاعلن، حدَث فيها:
1- دخَلَها الوقْص بحذْف ثانيها المتحرِّك، فصارت "مفاعلن" فأشبهت الوتد.

2- خُرِمت بحذف أوَّلها المتحرِّك فأصبحت  "فاعلن".

خامسًا: بحر المنسرح
لم يذكُرْ أحدٌ من علماء العَروض - فيما أعلم - أنَّ الخرم يدخل الكامل والمنسرح غير ابن القطَّاع، وقد ذكَرْنا حديثه عن الخرم في الكامل والمنسرح حينما تحدَّثنا عن الخرم عندَ ابن القطَّاع تحت عنوان "الخرم بين أيدي العَروضيِّين".

يقول ابن القطَّاع: "وجاء في المنسرح بعدَ الخبن، وهو ذَهاب الثاني الساكِن في قول الشماخ بن عوف بن يعمُر الكناني.

شاهده:
قَاتِلِ القَوْمَ يَا خُزَاعِ وَلاَ يَدْخُلْكُمْ مِنْ قِتَالِهِمْ فَشَلُ"

جزؤه الأوَّل (قاتلل) على وزن (فاعلن)، وأصل التفعيلة (مستفعلن) حدَث فيها ما يأتي:
1- حُذِف منها ساكنها الثاني فصارتْ (مفاعلن)، فأصبحتْ كأنها مبدؤة بوتد مجموع.

2- خُرِمت بحذف أولها المتحرِّك، فصارت (فاعلن).

سادسًا: بحر المضارع
أمَّا بحر المضارع فدُخول الخرْم فيه قليل، رغمَ جواز حدوثه فيه؛ لأنَّه من البحور ذوات البدء بوتد مجموع، والسبب في قلَّة حدوث الخرْم راجع إلى قِلَّة المروي على وزْنه، فهو مِن البحور التي يقلُّ النظم عليها، ولم أجِد سوى بيتين دخلهما الخرمُ من هذا البحر، وهما:

قال الشاعر[74]:
قُلْنَا لَهُمْ وَقَالُوا كُلٌّ لَهُ مَقَالُ

دخله الخرم في أوَّل الصدر، وفي أول العجُز أيضًا، ففي الصدر جاءَ الجزء الأول (قلنال) على وزن "فاعيل" حيث دخلَها الخرْم بحذْف أوَّل (مفاعيلن) فصارت "فاعيلن"، ثم دخلها الكفُّ بحذف نونها (السابِع الساكن)، فصارت "فاعيل"، وحوِّلت إلى "مفعول"، وفي العجُز كان جزؤه الأوَّل (كل لن ل) دخلَها الخرم والكفُّ، وهو ما حدَث للصدر فصارتْ أيضًا إلى (مفعول).

وقال الشاعر[75]:
سَوْفَ أُهْدِي لِسَلْمَى ثَنَاءً عَلَى ثَنَاءِ

جزؤه الأول (سوف أه) على وزن (فاعلن)، وأصل التفعيلة "مفاعيلن" دخلَها الخرم بحذْف أولها المتحرِّك، فصارتْ (فاعيلن)، ثم دخلها القبضُ بحذف ساكِنها الخامس فصارتْ التفعيلة (فاعلن).

سابعًا: بحر المتقارب
قال الشاعر[76]:

قَدَّمْتُ رِجْلاً فَإِنْ لَمْ تَزِغْ 
قَدَّمْتُ أُخْرَى[77] فَنِلْتُ الفِرَارَا 


دخله الخرم في جزئه الأول من الصَّدر والعجُز، حيث حذف أوَّل التفعيلة (فعولن) فيهما فصارتْ إلى (عولن)، وحوِّلت إلى فعلن.

وقال الشاعر[78]:

قُلْتُ سَدَادًا لِمَنْ جَاءَنِي 
فَأَحْسَنْتُ قَوْلاً وَأَنْعَمْتُ بَالاَ 

جزؤه الأوَّل (قلت) على وزن (فعل) دخلَه الخرم بحذف المتحرِّك الأول من (فعولن) فصارت (عولن)، ثم دخلها القبض بحذْف خامِسها الساكِن فصارتْ (عول)، وحولت إلى (فعل).

وقال الشاعر[79]:

لَوْلاَ خِدَاشٌ أَخَذْنَا جَمَالاَ 
تِ سَعْدٍ وَلَمْ نُعْطِهِ مَا عَلَيْهَا 

جزؤه الأول "لولا" على وزن (فعلن) دخَلَه الخرم بحذف أوَّل (فعولن) المتحرِّك فصارتِ التفعيلة (عولن)، وحولت إلى (فعلن).

قال الشاعر[80] (حاجب بن حبيب الأسدي):

بَاتَتْ تَلُومُ عَلَى ثَادِقٍ 
لِيَشْرِي فَقَدْ جَدَّ عِصْيَانُهَا 

(باتت) فعلن وأصلها (عولن) بعد الخرم من فعولن.

قال الشاعر[81]:(عمرو بن معدي كرب):
أَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ فَضْفَاضَةً دِلاَصًا عَلَى الرَّاهِشِ

(أعدد) فعلن.

قال الشاعر[82] (معقل بن خويلد):

إِمَّا حُرِمْتَ حَدِيدَ الحِبَا
لِ مِنَّا وَغَيْرُكَ الآشِبُ 

(إما) فعلن.
قال الشاعر[83] (امرؤ القيس):

يَا هِنْدُ لاَ تَنْكِحِي بُوهَةً 
عَلَيْهِ عَقِيقَتُهُ أَحْسَبَا 

(يا هن) فعلن.

قال الشاعر[84] (امرؤ القيس):

لاَ وَأَبِيكِ ابْنَةَ العَامِرِ 
لاَ يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِرُّ

دخَله الخرْم في الصَّدر والعجز.
في الصدر (لاو) فعل.

وفي العجُز (لايد) فعلن.

قال الشاعِر[85] عنترة:

غَادَرْنَ نَضْلَةً فِي مَعْرَكٍ 
يَجُرُّ الأَسِنَّةَ كَالْمُحْتَطِبْ

(غادر) فعلن.
قال الشاعر[86] أبو العباس النميري:

وَلَيْتَ رِجْلِي فِي رَهْوَةٍ 
فَمَا نَالَنَا عِنْدَ ذَاكَ القَرَارَا

(ولّى) فعلن).

قال الشاعر[87] شتيم بن خويلد الفزازي:

لاَ يُبْعِدُ اللَّهُ رَبُّ البِلاَ 
دِ وَالْمِلْحِ مَا وَلَدَتْ خَالِدَه

(لايب) فعلن.

قال الشاعر[88] العباس بن مرداس:

كَانَتْ نِهَابًا تَلاَقَيْتُهَا بَكْرَى
عَلَى الْمُهْرِ بِالْأَجْرَعِ 

(كانت) فعلن.

قال الشاعر[89]:

فِيهَا تَعْرِفُ جِنَانُهَا 
مَشَارِبَهَا وَاثِرَاتٍ أَجَنّ 

(فيها) فعلن.

نخلُص من هذه النماذِج بالحقائق التالية:
أولاً: أنَّ الخرْم ليس مقصورًا على الجزء الأوَّل مِن صدْر البيت، بل يدخل الجزء الأوَّل من العجُز كذلك، وإنْ كان قليلاً.

ثانيًا: ليس الخرم مقصورًا على الوتد المجموع في أوَّل التفعيلة، بل إنَّه يدخل المبدوء بالأسباب متحرِّكة وساكنة إذا وقصتْ كالكامل وإذا خبنت كالمنسرح.

ثالثًا: إلا أنَّه في الحقيقة فإن "متفاعلن" في الكامل إذا ما وُقِصت بحذْف ثانيها المتحرِّك صارت "مفاعلن"، وبذلك تصير كأنها مبدوءة بوتد مجموع، ممَّا يُبيح لها دخول الخرم "ومستفعلن" في المنسرح إذا خبنت أصبحت "متفعلن"، وتصير كأنها مبدوءة بوتد مجموع أيضًا، ومعنى هذا أنَّ علاقة الشبه قائِمة بين هذه البُحور وبيْن هذين البحرين.

ألقاب الخرم ومسمياته
أولاً في اللغة:
يبدو لي أنَّ علاقة الخرم باللُّغة امتداد لعَلاقة عِلم العَروض بها، فكما أنَّ مسميات المصطلحات العَروضيَّة كانتْ مستمدَّة مِن البيئة العربيَّة في ذلك الوقت والخيمة على وجه الخُصوص، حيث تصوَّر الخليل أنَّ القصيدة الشعريَّة خيمة مِن الشعر، كما أنَّ الخيمة من الشِّعر وأنَّ للقصيدة عَروضًا، مثل الخيمة، وأنَّ للقصيدة أسبابًا وأوتادًا تقوم عليها وتُبنى منها مثل الخيمة تمامًا لا تقوم إلاَّ بهما، فكذلك الخرْم، استُمدَّت مسمياته كلها مِن اللُّغة المستعمَلة في حياة ذلك البَدوي ساكِن الخيمة، فقد أرْجع علماء العَروض ألقابَ الخرم ومسمياته إلى الاستعمال اللُّغوي المعروف، ورَبطوه بها فقالوا عنه:

1- أثلم: يقول ابن القطَّاع عن الخرم: "ويسمى أثلم، وإنما سُمِّي خرمًا؛ لأنَّه قطع بعضه، أخذ مِن قولهم سن مثلومة، وقعب مثلوم؛ أي: مكسور"[90].

وقال الشاعر[91]:

مُوتُوا كِرَامًا بِأَسْيَافِكُمْ 
فَالْمَوْتُ يَجْشَمُهُ مَنْ جَشِمْ

دخَله الخرم في جزئه الأوَّل من الصَّدر والعجُز، وتحوَّلت فيهما "فعولن" إلى "عولن"، ثم حولت إلى "فعلن".

2- أعضب: يقول عنه ابنُ منظور في "لسان العرب": "العضب يكون في أحدِ القرنين"[92]، ويقول الجوهري: "والعضباء الشاة المكسورة القرْن إلى الداخل"[93]، ويقول ابن القطَّاع: "كما يُسمَّى الثور الذي ذهَب أحدُ قرنيه أعضب"[94].

3- أخرب: في "اللسان" (وعبد أخرب، مشقوق الأذن)[95]، ويقول الجوهري: "رجل أخرب للمشقوق الأذن"[96]، ويقول عنه ابن القطَّاع: "وإنَّما سُمي أخرب؛ لأنَّ الخراب دخله في أوَّله وآخره، وقيل أخذ مِن قولهم خرب الرجل إذا انشقَّتْ أذناه"[97].

4- الأثرم: يقول عنه ابن القطَّاع: "والثرم في معنى الثّلم، والأثرم مِن الناس الذي انقلعتْ سِنُّه مِن أصلها"[98]، وورد نفْس المعنى في "الصحاح"[99]، و"لسان العرب"[100] تقريبًا.

5- الأقصم: يقول عنه الجوهري: "ورجل أقْصَم الثنية إذا كان منكسِرَها من النصف"[101]، ونفْس المعنى تقريبًا في "لسان العرب"[102] ويقول عنه ابن القطَّاع:  "وسمِّي بذلك تشبيهًا بالسِّنِّ الذي ينقسم نِصفها" [103].

6- الأجم: يقول عنه ابن القطَّاع: "شبه بالكبْش الأجم الذي لا قرنَ له"[104]، والمعنى نفسه ورد في "الصحاح"[105] و"لسان العرب"[106].

7- أعقص: في "لسان العرب": "العقْص التِواء القرْن على الأذنين إلى المؤخَّر، وتيس أعقص، والأنثى عقصاء"[107]، والمعنى نفسه وردَ في "الصحاح"[108]، ويقول عنه ابن القطَّاع: "شبه بقرْن التيْس المائل، كأنَّه عقص"[109].

8- أشتر: يقول الجوهري: "الشتر انقلابٌ في جفن العين، يقال: رجل أشْتر بين الشتر"[110]، وكذلك اللِّسان أورد المعنى نفْسه[111]، ويقول عنه ابن القطَّاع: "أخذ مِن شتر العين، وهو شق جفْنها الأعلى"[112].

ثانيًا: في الاصطلاح:
تعدَّدت ألقابُ الجزء الذي يدْخُله الخرم تبعًا لحالة الجُزء ذاته فإن كان خماسيًا فله مسمى، وإنْ كان سباعيًّا فله مسمًّى آخر، ويتغير ذلك اللقب بتغير حالة الجزء من السلامة إلى دخول الزَّحاف فيه، فما دخَله الخرم، وكان مقبوضًا غيره إنْ كان معصوبًا، وكلاهما غيره إنْ كان مكفوفًا... ذلك كله إن اجتمعتْ مع الخرم عِلَّة واحدة، أما إنِ اجتمعت في الجزء علَّتان غير الخرم فله أسماء وألْقاب أخرى.

كما يتضح في الجدول الآتي:
أولاً: إذا كان الجزء سالمًا ودخَله الخرم وحده فهو:
1- أثلم: إذا كان الجزء "فعولن".

2- أعضب: إذا كان الجزء "مفاعلتن".

3- أخرم: إذا كان الجزء "مفاعيلن".

ثانيًا: إذا اجتمَع في الجُزْء عِلَّة واحِدة ودخَله الخرم، فهو:
1- أثرم: إذا كان الجزء "فعولن"، ودخله القبضُ مع الخرْم.

2- أقصم: إذا كان الجزء "مفاعلتن"، ودخله العصْب مع الخرم.

3- أجم: إذا كان الجزء "مفاعلتن"، ودخله العقل مع الخرْم.

4- أخرب: إذا كان الجزء "مفاعلتن"، ودخله الكفُّ مع الخرْم.

5- أشتر: إذا كان الجزء "مفاعيلن"، ودخله القبْض مع الخرم.

6- مخروم: إذا كان الجزء "متفاعلن"، ودخله الوقص مع الخرم[113].

ثالثًا: إذا كان الجزء قدِ اجتمع عليه علَّتان، ودخله الخرم، فهو:
1- أعقص: وذلك إذا كان الجزء "مفاعلتن"، ودخله مع الخرم "نقص"، و"قبض".

والنقص اجتماعُ العصب مع الكف[114].

أسباب حدوث الخرم:
أمام ظاهِرة الخرم في البناء الشِّعري، يقِف الدارس حائرًا أمام أسئلة عدَّة تدور حول:
هل يحدُث الخرم عن سهو من الشاعر؟

أم، هل يحدُث عن خطأ وعدم معرفة بالأوزان؟

أم، هل يُحدِثه الشاعر عمدًا وقصدًا؟.

ولا شكَّ عندي أنَّ السهو غير وارد في وقوع الخرْم؛ لأنه لو كان مجرَّد سهو لصحَّحه الشاعر، وما أسهلَ التصحيحَ إذا علمنا أنَّ مجرد إضافة الواو أو الفاء على أول الصدر أو أوَّل العجُز تُزيل الخرم، كذلك الخطأ، وعدم معرفة الأوزان، فإنِّي أستبعده تمامًا؛ لأنَّ الخرم لا يقَع في شِعر مبتدئين، وإنَّما يقع في شِعر الفطاحل ذوي الشُّهرة والسيادة فيه كما علمنا مِن النماذج السابقة، كأمثال الكميت والزبير، ومنذر بن درهم الكلبي والشماخ بن عوف والمثقَّب العبدي، ويَزيد بن الحميري، والأعشى، وغيرهم:

إذًا الأوْقع عندي: أنَّ الشاعر يُحدِثه عن عمد وقصْد، وقد يكون ذلك للأسباب الآتية:
1- لدفْع حدة الرَّتابة في الوزن، والتغيير في الأوزان، بدفْع الملل عن النفس.

2- أو لغرَض إظهار القُدرة على التلاعُب بالوزن، وبالتالي إظهار التفوُّق في قرْض الشِّعر، والسيادة فيه، وإلا فبماذا تفسّر وقوع الخرم في بيت المتنبي الذي يقول فيه:

لاَ يُحْزِنُ اللَّهُ الْأَمِيرَ فَإِنَّنِي
سَآخُذُ مِنْ حَالاَتِهِ بِنَصِيبِي

إنَّ وقوع الخرم في أوَّل الصدر جعلنا نعتقد أنَّ البيت من الكامل وتقطيعه (لا يحزنل) (مستفعلن، متفاعلن) (لا هل أمي) (مستفعلن، متفاعلن) (رفإنني) متفاعلن.

فإذا ما جئنا لتقطيع العجُز، وجدناه مِن الطويل وتقطيعه (سآخ) فعول (ذمنحالا) مفاعيلن (تهي ب) فعول (نصيبي) فعولن، وهي مِن الضرب الثالث للطويل المحذوف مع القبْض في العَروض.

ومِن ثَم نعيد تقطيع الصدر على أنه مخروم الجزء الأول، فيكون كالآتي:
(لايح) فعلن (زنل لاهل) مفاعيلن (أمير) فعول (فإنَّني) مفاعلن.

وانظر إلى هذا البيت لترى عجبًا، يقول الشاعر[115]:

يَا رُبَّ ذِي لِقَحٍ بِبَابِكَ فَاحِشٍ 
هَلَعٌ إِذَا مَا النَّاسُ جَاعُ وَأَجْدَبُوا 

وهو شاهد نحوي مفرَد لم يعرف قائله، جاء على الاستشهاد بحذْف واو الجماعة والاستغناء عنها بالضمَّة.

فأولاً: يمكن اعتبار البيت مخرومًا في صدْره وعجُزه، وبذلك يكون من الطويل وتقطيعه:
(يارب) فعلن (بذي لقحن) مفاعيلن (بباب) فعول (كفاحشن) مفاعلن (هلعن) فعلن (إذا من نا) مفاعيلن (سجاع) فعول (وأجدبو) مفاعلن.

وثانيًا: يُمكن اعتباره مِن الكامل بدون خرم، وتقطيعه:
(يارب بذي) متفاعلن (لقحن بها) متفاعلن (بكفا حشن) متفاعلن (هلعن إذا) متفاعلن (من ناسجا) متفاعلن (عوأجدبوا) متفاعلن.

نعم، إلى هذا الحدِّ يغير الخرم من طبيعة البيت، ويجعله مِن بحر آخر غير الذي ينتمي إليه، فنضل ونشْقَى به إنْ كان بيتًا فردًا لا نعرف قصيدَه، كي نجزم ببحره كالبيت السابق...

ومعنى هذا ببساطة: أنَّ الطويل إذا خُرِم في صدْره وعجُزه يتحوَّل إلى الكامِل، بمعنى أنَّ أبيات القصيدة كلها التي علَى الطويل إذا دخلَها الخرمُ في الصَّدر والعجُز تتحوَّل إلى الكامل، وهنا نتساءل:
- هل الكامِل هو الطويل المخروم الصَّدر والعجُز؟ أقول: ربَّما.

3- أو قد يكون السبب في ارْتِكاب الخرم عمدًا وقصدًا، عدم القُدرة على إضافة "واو" العطف أو "الفاء" في أوَّل الجزء الذي أصابه الخرْم، خاصَّة إذا كان البيت مُصرَّعًا؛ لأنَّ العطف هنا لا محلَّ له؛ إذ كيف يعطف القول وهو في أول بيت من القصيدة، مثل قول الشاعر:

مَا لِلدَّارِ زَادَتْنِي نُحُولاً 
عَلَيْهَا كُلَّمَا ازْدَادَتْ مُحُولاَ 

وكذا قول الآخر:

وَاهًا لِهُنَيْدٍ ثُمَّ وَاهًا 
صَفَتْ لِزَوْجِهَا وَلِي هَوَاهَا 

وقول الآخر:

مَا لَكَ لاَ تَشُوقُكَ الدِّيَارُ 
أَمِنْ كِبْرٍ عَلاَكَ أَمِ اصْطِبَارِ

إنَّ حرْص الشاعر على سلامة الأسلوب، جعَله يُضحي بسلامةِ الوزن، ويرتكب ما لا بدَّ مِن ارتكابه.

أمَّا ما قاله البغداديُّ منسوبًا إلى ابن رشيق: "إنَّما جاز الخرم في أشعار العرَب؛ لأنَّ أحدهم يتكلَّم بالكلام على أنَّه غير شِعر، ثم يرى فيه رأيًا، فيصرفه إلى الشِّعْر في أي وجه شاء، فهذا القول على الرغم مِن وجاهته مردودٌ عليه بما يأتي:

1- مِن هؤلاء الشعراء الذين وقَع الخرم في شِعرهم "زُهير بن أبي سُلْمى"، الذي كان معروفًا عنه أن يدقِّق ويمحِّص، حتى إنَّه كان يَقضي حولاً كاملاً في قصيدة واحدة، مما يتنافَى مع مقولة أنَّه "يتكلَّم بالكلام على أنَّه غير شِعر".

وإنْ كان، كما يُدعى، بأنَّ الشاعر "يرى فيه رأيًا فيصرفه إلى الشِّعر في أيِّ وجه شاء"، لكان الخرم يقَع في كلِّ أنماط الشعر طالما أنَّ الأمر يصِل بالشاعر إلى أن يصرف قوله "إلى الشِّعر في أيِّ وجه شاء".

والخلاصة:
أن الخرم رخصة للشاعر، يأتيها إذا كان مضطرًّا لإتيانها ومِن ثَم فإنَّه يوقعه في قصيدة عمدًا وقصدًا، وقد يكون ذلك لثلاثة أسباب:

أولاً: لدفْع حِدَّة الرتابة في القصيدة، الناشئة عن رَتابة الوزن فيها، ممَّا يدْفَع عن النفس الملل، ذلك إنْ كان الخرم في وسط القصيدة.

ثانيًا: وقد يكون الشاعِر مضطرًّا لذلك؛ احترامًا لسلامة التركيب، وحرْصًا على صحة الأسلوب، ذلك إذا كان في مِصراع القصيدة وافتتاحها، وهذا هو الأكثر.

ثالثًا: وقد يكون ذلك لإظهار القُدْرة والبَراعة والتفرُّد بتلاعبه في وزن القصيدة، فقد يأتي بشطر على بحْر، وبالآخَر على بحر ثان، وتصِل القُدرة ذروتها حين يرتكب الشاعر الخرمَ في الصدر والعجُز، فيأتي البيت على بحْر الكامل مثلاً، ثم يتحوَّل إلى الطويل، بعد أن يتخلَّى عن الخرم.


[1] محاضرة أُلقيت بالموسم الثقافي بقِسم الدِّراسات العليا بكلية اللغة العربية جامعة أم القرى - بمكة المكرمة في ربيع الأول 1407هـ، نوفمبر 1986م، ونشرت بمجلة الدِّراسات العليا بالكلية.
ومنشور بكتابنا: "قضايا ومحاضرات في اللغة والصرف والعروض" (ص: 53 وما بعدها) 1989م.
[2] "الصحاح" (5/1910).
[3] "الكتاب البارع" (93).
[4] "القسطاس" (31).
[5] "الكتاب البارع" (97)، و"البحور الشعرية المهملة" (14).
[6] انظر أيضًا: "القسطاس" (63).
[7] "الكتاب البارع" (ص: 95).
[8] "العروض" (161).
[9] "عروض الورقة" (72).
[10] "عروض الورقة" (86).
[11] "عروض الورقة" (86).
[12] "الكتاب البارع" (ص: 95).
[13] "البارع" (66).
[14]التفعيلة في الأصل "متفاعلن" دخَلها الوقص أولاً بحذْف ثانيها المتحرِّك، ثم خرمت بحذْف أوَّل السبب الخفيف؛ أي: ثالث التفعيلة.
[15] "الكتاب البارع" (95).
[16]التفعيلة أصلها (مستفعلن /ه/ه//ه) دخَلَها الخبن بحذْف الثاني الساكن، فصارت متفعلن //ه//ه، ثم خرمتْ فذهب الثالث المتحرِّك مِن مستفعلن، والثاني من متفعلن فأصبحت فاعلن.
[17] "الكتاب البارع" (ص: 95).
[18] "القسطاس" (61).
[19]البيت للمثقَّب العبدي.
[20] "القسطاس" (ص: 60).
[21] "مفتاح العلوم" (250).
[22]أي: الجزء الأول من العجُز.
[23]انظر: "القسطاس" (1/118).
[24]المصدر السابِق (1/119).
[25]انظر القسطاس 1/119).
[26] عروض الورقة: 58)، مفتاح العلوم 252)، والكتاب البارع 94).
[27]مفتاح العلوم 252 وفي الكتاب البارع ورد (أشاقتك) وبهذا لا يكون فيه خرم.
[28]الكتاب البارع 94).
[29] "المعاني الكبير" لابن قتيبة (2/885)، و"تلقين المتعلم" لابن قتيبة (262).
[30] "القسطاس" (61).
[31] "شفاء العليل" (1/225).
[32]المصدر السابق، والشاعِر الكميت.
[33]المصدر السابق (1/275)، والشاعِر الزبير بن العوام.
[34]المصدر السابق (1/279)، والشاعر هو منذرُ بن درهم الكلبي، وفي "المقتضب": (فَقَالَتْ) بدون خرْم (3/225).
[35] السُّكري (225).
[36]المصدر السابق (266).
[37] المصدر السابق (352 - 354).
[38] "السكري" (373 – 374).
[39] "السكري" (367 – 369).
[40] "الأصمعيات" (رقم: 48).
[41] "الأصمعيات" رقم (64)، وفي "اللسان" (6/438).
[42] المصدر السابق 191).
[43]المصدر السابق (345).
[44] "مختار الشعر الجاهلي" (259).
[45]المصدر السابق (114).
[46]المصدر السابق (442).
[47] "اللسان" (12/225) ملق.
[48] "اللسان" (7/378) دبس.
[49] "الكامل" (2/367).
[50] "الكامل" (2/140).
[51] "مختار الشعر الجاهلي (120).
[52] "عروض الورقة" (68).
[53] "مفتاح العلوم" (256)، و"الكتاب البارع" (125)، و"القسطاس" (85)، و"عروض الورقة" (68).
[54] "مفتاح العلوم" (256)، و"الكتاب البارع" (126 – 127)، و"القسطاس" (86).
[55]المصادر السابقة.
[56] "عَروض الورقة" (68)، و"مفتاح العلوم" (256)، و"الكتاب البارع" (127)، "القسطاس" (86).
[57]"عروض الورقة" (68).
[58]المصدر السابق.
[59] "المفضليات" رقم (13).
[60] المصدر السابق رقم (35).
[61] السكري (ص: 369 - 370).
[62]المصدر السابق (ص: 435).
[63] "مختار الشعر الجاهلي" (284).
[64]المصدر السابق (402).
[65]السكري (ص: 362 - 363).
[66] "اللسان" (شتر) (6/60).
[67] "اللسان" (حجا) (18/180).
[68] "عروض الورقة" (74)، "مفتاح العلوم" (258)، و"الكتاب البارع" (148- 149)، و"القسطاس" (96 – 97)، والبيت رواية ابن القطَّاع وبقيَّة المصادر "ما رَضِيناه"، ومفتاح العلوم "لو كان أبو موسى".
[69]المصادر السابقة نفسها.
[70] "عروض الورقة" (74)، "مفتاح العلوم" (258)، و"الكتاب البارع" (148 – 149)، و"القسطاس" (96 - 97).
[71] "الكتاب البارع" (ص: 95).
[72] "مختارات ابن الشجري" (409 - 410).
[73] "الكتاب البارع" (ص: 95).
[74] "عروض الورقة" (86)، "مفتاح العلوم" في شطره الثاني (وكل) الخرم في أوله فقط، و"البارع" (181)، وهو برواية السكاكي، و"القسطاس"(120)، وبرواية الجوهري.
[75] "عروض الورقة" (86)، و"مفتاح العلوم" (265)، و"البارع" (188)، و"القسطاس" (120).
[76] "عروض الورقة" (88).
[77]وردتْ في "عروض الورقة" هكذا (قدمت لأخرى)، ويكون الوزن بها مكسورًا، والتصويب مِن عندي.
[78] "عروض الورقة" (89)، مفتاح العلوم (367) برواية: (قلت سداد لمن جاء يسري)، و"الكتاب البارع" (206).
[79] "مفتاح" (305)، و"الكتاب البارع" برواية (أخذت دواب).
[80] "المفضليات" (110)، و"الأصمعيات" (رقم: 81).
[81] "الأصمعيات" رقم (62).
[82]السكري 389 – 392).
[83] "مختار الشعر الجاهلي" (99).
[84] "مختار الشعر الجاهلي" (114 - 115).
[85] "المصدر السابق" (404).
[86] "اللسان" (رها) (19/61).
[87] "اللسان" (16/38).
[88] "اللسان" (نهب) (2/271).
[89]بلا نِسبة في "اللسان" (جنن) (16/249).
[90] "الكتاب البارع" (93)، ونفس المعنى تقريبًا في "اللسان" (14/145)، و"الصحاح" (5/1881).
[91] "البارع" (95).
[92] "لسان العرب" (2/101).
[93] "الصحاح" (1/184).
[94] "الكتاب البارع" (148).
[95] "اللسان" (1/336).
[96] "الصحاح" (1/169).
[97] "الكتاب البارع" (148).
[98] "الكتاب البارع" (94).
[99] "الصحاح" (5/1880).
[100] "اللسان" (14/343).
[101] "الصحاح" (5/2013).
[102] "اللسان" (15/387).
[103]الكتاب البارع 126).
[104] "الكتاب البارع" (127).
[105] "الصحاح" (5/1891).
[106] "اللسان" (14/375).
[107] "اللسان" (8/322).
[108] "الصحاح" (3/1046).
[109] "الكتاب البارع" (126).
[110] "الصحاح" (2/692).
[111] "اللسان" (6/60).
[112] "الكتاب البارع" (129).
[113]انفرد ابن القطَّاع بإدْخال الخرم على الكامل.
[114]راجع كل هذا في "مفتاح العلوم" (250)، و"الكتاب البارع" (216 – 217)، و"القسطاس" (32 – 33)، (40 – 41).
[115] "شرح التسهيل لابن مالك" (134)، و"الهمع" (1/58)، و"شفاء العليل" (1/177).


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/38379/#ixzz3BhddiIpj

0 التعليقات:

إرسال تعليق

قراءنا الكرام في مدونة المختار نلتقي، وبالحوار الهادف نرتقي