تأصيل الأصيل ومحاورة الحداثة: قراءة في ديوان أزيز الصمت

في الملحق الثقافي لجريدة العلم ليوم الخميس 2 أبريل 2020 تقرأون هذه الدراسة القيمة التي أنجزها الناقد مصطفى فرحات لديوان أزيز الصمت

التفاعل التأملي:دراسة في تلقي القدامى شعر أبي تمام - المختار السعيدي

عن دار تموز للطباعة والنشر بسوريا؛ الطبعة الأولى 2020

صدور ديواني الثاني: الرحيل، أغنيات التيه في جنة الضياع

عن دار القلم بالرباط صدر ديواني الثاني "الرحيل: أغنيات التيه في جنة الضياع" الديوان تجدونه في المكتبات: الرباط: دار الأمان + الألفية الثالثة فاس: مكتبة الفجر تازة: مكتبة السوسي اخترت لكم هذا النص وهو القصيدة الأخيرة من الديوان:

الدهشة الجمالية

عن مطبعة عين برانت بوجدة ومنشورات جمعية الضاد صدر كتابي "تفاعل الدهشة الجماليةدراسة في تلقي شعر أبي تمام من لدن معاصريه" مقدمة الكتاب

التلقي المنتج

عن دار الأنوار بوجدة صدر كتابي النقدي الأول المعنون بالتلقي المنتج

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عن اللغة العربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عن اللغة العربية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 فبراير 2020

الأستاذ منير الحردول: أرجوكم موليير ليس مغربيا!!

عندما يفحص المريض في المغرب يواجة بوصفة مكتوبة بلغة فرنسا! وحين يقصد أغلب الادارات يرغم على تقبل الوثائق المدونة بلغة فرنسا! ومنذ زمن ليس ببعيد كانت تخاطبه الأرصاد الجوية المغربية الأصل عن أحوال طقس بلاده، فيتم تحذيره وتقديم التوقعات إليه بلغة فرنسا!
 وحين ندعو لأجرأة اللغات الدستورية نواجه بكلمة أن الترقي ممنوع لغير لغة فرنسا!

 إذن هل نحن حقا من الأحياء! 

 الدستور أسمى قانون للدولة، واحترام الدستور هو احترام للارادة الشعبية، واخلاص للوطنيين الذين حافظوا على دوام تنوع هوية هذا الشعب المميز بثقافته، ولغاته ولهجاته عن شعوب شمال البحر الأبيض المتوسط قاطبة.

 فالدعوة إلى احترام اللغات الدستورية لا ينطلق من خلفيات عرقية كما يفعل البعض، خصوصا من أبدعوا وتفننوا في الهجوم المبطن والحاقد على لغة الضاد، ومكنوا للغة المستعمر، في حين يدعون ويتقنون خطابات المظلومية والهوية الثقافية المهمشة، بل ويطالبون بمساواة التيفيناغ التي لا زالت تتأرجح بين الرمز والمعنى، وبين حرف الكتابة المناسب لها لضمان نجاحها ومأسستها، وفق نظرة وطنية شاملة، كتراث مشترك لجميع المغاربة، وليس ارتباطها بعرق ما، هذا العرق الحاقد على أخوة الوحدة أصبح يتوهم أنه أصيل ويسمو عن باقي الأعراق الأخرى.

 فالأمل قائم ولن نيئس ممن يريد أن يستفرد بأحادية الفكر العنيد، الذي يرفض الحفاظ على الشخصية المستقلة للبلاد والعباد.
 فرنسة الثقافة والعلوم والادارة والاقتصاد، لم ولن يلحقنا بمصاف الدول الصاعدة. فإسبانيا تتعامل مع شعبها بالإسبانية، وهولندا تتعامل مع أبناء جلدتها بالهولندية، وإسرائيل التي يكن لها العداء أحيت عبريتها وفرضتها في جميع المؤسسات.

 فكل شعوب العالم تحافظ على لغتها بعيدا عن المزايدات أو ترسيخ النظرة الدونية عن لغاتها الرسمية أو الوطنية.

 فالاقتصاد شيء، والتواصل مع النفس والمجتمع والأشخاص شيء آخر، إذ الارتباط بمفهوم المواطنة، والحفاظ على التراث المادي واللامادي لشعب عريق إسمه أهل المغرب وكفى! يضمنه شيء واحد، هو الافتخار بمغربيتنا ولغاتنا الدستورية، وهذا ما يجب أن ينطبق على باقي المؤسسات الرسمية و غير الرسمية.

 لذا العودة للتاريخ ودراسة ما الذي كان يحاك للبلاد قبل الاستعمار، كفيل بفهم معمق للأمور، فالاستعمار أول ما خطط له هو طمس الهوية، وذلك لجعل الناس أمام همية أخرى تغرس في العقول باسم العلم، والفكر والحضارة لكن دون الوصول لمرتبة الشعوب الاستعمارية، بمعنى القبول وعلى طواعية بانحدار قيمي تحت اسم مواطنة من الدرجة الثانية أو الثالثة.

 كل الدول الصاعدة تتعامل بلغاتها الدستورية وترفض التعامل في وثائقها الرسمية بلغات بلدان أخرى.وهذا نابع من القناعة بأن البلاد هي فقط لأهل البلاد
 والاجماع على دستور الأمة يحتم أجرأة اللغات الدستورية القائمة الذات في كل شيء.
 فتعلم اللغات خصوصا الانجليزيةالعالمية العلمية شيء، واحترام الاجماع الوطني وأجرأة اللغات الدستورية شيء آخر.
 نحن في المغرب نرحب بالجميع. لكن أن تفرض علينا اديولوجية التبعية بدون نتيجة فهذا انحراف للحقيقة.
 والحقيقة هي أننا مغاربة نعيش في أرض اسمها المغرب فلا تتركونا نستغرب! 

 النقاش اللغوي الخاص بلغة التدريس لم يحسم نهائيا بالاجماع وخلف جدلا واسعا،وأظهر بعض الأحقاد، وفضح النفاق، لكن ربط التاريخ بالحاضر واستشراف المستقبل كفيل بالاجابة عن سؤال جوهري، يتلخص في كيف نلحق بالدول الصاعدة في ظل الاحتفاظ بلغاتنا الرسمية في التواصل الاداري والرسمي داخل المغرب وبين المغاربة! 

 فاللغات الرسمية موجودة في الدستور وأجمعت عليها الثقافة المتنوعة للشعب المغربي.

 لذا من الأجدر والحكمة التعامل في الوثائق الرسمية بلغة أهل البلد فقط.   
 فتعلم اللغات ضروري لكن التعامل باللغات داخل الوطن يقتضي احترام أسمى قانون للأمة.
 فرنسة البلاد والهيمنة على أفكار العباد خطر على وحدة الصفوف. 

 تعميم اللغات الدستورية، خصوصا القائمة الذات في البرامج والمناهج التعليمية، والمؤسسات المالية والاقتصادية والادارية في القطاعين العام والخاص، واجبار البعثات على احترام اللغات الرسمية للبلاد في التدريس، وفي التعامل والوثائق تعد سيادة وطنية ..
 تحويل النقاش اللغوي الى سجال عرقي لن يجلب إلا الخراب. 

 تراب أرض الوطن لا يقدر بثمن وشعب أرض الوطن بتنوعه، يتنوع الخير وتتعدد الثقافات وتسود الأخوة عوض المكر والخديعة.فمصلحة الكل تكمن في احترام ثقافة الجميع و التاريخ ومبدأ التعايش واحترام الثقافات وليس فرض نموذج ثقافي معين على بلد له ثقافة عريقة جدا.
 الجغرافيا ثابتة والتاريخ كنز.
 المعروف أننا نعيش في المغرب .لذا أتركوا المغرب للمغاربة.

 اللغات الرسمية واضحة في الدستور.!
 أغلب المواقع والادارات الرسمية والشبه الرسمية والخاصة تتعامل بلغة موليير!
 إذن من يخرق! القانون الأسمى للدولة !؟

 أرجوكم موليير ليس مغربيا.    

السبت، 18 أبريل 2015

حميش يخاطب أوريد: حين يفقد مثقف البوصلة




هسبريس

من باب التخصيص المفيد أقصر هذي المقالة على الأستاذ حسن أوريد، وهو مثقف مثابر جادّ ومدين في تكوينه بالشيء الكثير للكوليج المولوي؛ فرانكوغراف جيد ومتمكن من اللغة العربية، يمارسها بطلاقة وذلاقة، عارفا بأسرارها البلاغية والأسلوبية إلى حد التفنن والتأنق: هذي أهم مقدراته التي جعلتني مع من رأوا فيه أحسن خلف للأستاذ محمد شفيق، وبالتالي المؤهل مع قلة قليلة لإعادة التفكير في المسألة الأمازيغية بما يلزم من حكمة واعتدال وقدرة على إنقاذها من الغلاة المسيئين إليها، هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم منافحين شدادا عن بيضتها من حيث تحولهم إلى أعداء معلنين للعرب وللقضية الفلسطينية، واتخاذهم إسرائيل محجا وقبلة، وذهابهم إلى حد التشهير بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كهيئة في خدمة المخزن، حسب تعبيرهم الأثير.
غير أن ظني في الرجل أخذ يخيب، إذ أنه منذ مدة أنشأ يمعن في إصدار أقوال وإعلان مواقف ملتبسة أو متهافتة، ما كان لي أمام دفقها إلا أن أكسر الصمت عنها، فأحاول التطرق إلى أبرزها وأعتاها، راغبا بالتوازي في حلحلة شيئا ما الهمود الجاثم على حياتنا الثقافية، يحرمها من الحيوية التي بدونها تغدو مصدر ملل بل تصامم وانقطاع حادّ في التيار التواصلي، أعني بذلك المساجلة التي ساهمت في تطور الثقافات وحتى (حسب غاستون باشلار) العلوم نفسها.
من جهة أولى، هي ذي النقط الجديرة بالإيراد:
1- من قبيل قلب الحقائق قول صاحبنا، في أسبوعية تيل كيل (عدد 637) أن البربر -هكذا يسميهم أيضا حين يكتب بالفرنسية- كانوا في تاريخ المغرب مسلوبين "dépossédés" ومنبوذين، والحقيقة غير ذلك إذ أنهم في ماضي هذا التاريخ كانوا باسم الإسلام بناة دول وأمبراطوريات ومسهمين أيما إسهام في ثقافة المغرب وعلومه (لنراجع على سبيل المثال "مفاخر البربر" لمجهول و"البربر في الأندلس" لمحمد حقي)؛ كما أنهم في زماننا هذا يُعدون من بين الأوفر حضورا وحظوة في كل دوائر السياسة والإقتصاد ومراكز النفوذ والقرار. أما أوضاع الهشاشة وضعف المعيشة، فإنها تشمل شرائح من المغاربة عديدة ومن شتى الأصول والأصناف.
2- في شأن "اللغة الأم" الذي يكثر ذ. أوريد من تسخيره كبرهان دامغ، كما يفعل آخرون، فإن من الأصوب إحلاله في بُعده الأصح، بُعد الكلمات المحاكية للأصوات onomatopées، والتلفظات والهمهمات البديئة ، كما أقر به الباحث المتخصص أحمد معتصم وسواه.
وعليه فإن اللغة لا تهيئ الطفل حقا للكلام الصوري والمفاهيمي الذي لا يحصل اكتسابه إلا في سن التمدرس؛ هذا فضلا عن أن ذياك "البرهان" يمحو لغة الأب والأبوية المفردة monoparentale (في حالة وفاة الأم أو غيابها)، وكذلك لغةَ الأزواج المختلطين (الأم الأجنبية) ولغة الأمهات المغربيات اللائي يكلمن ذريتهن بالفرنسية حصريا، أضف إلى ذلك كله الواقعَ التعددي للغات "الأموية" على صعد متفاوتة: ترابية وجهوية وإقليمية ومحلية، هذا بغضِّ النظر عن قانون "الزواج المثلجنسي في بلدان غربية...)؛ وبالتالي وحده معيار الوطنية الطبيعية أو المتبناة يمكنه تليين تلك التركيبات المعقدة وتنظيمها. وهكذا يتحصل لنا الجواب الأحق والأصوب على هذا السؤال: الأطفال وليدو القرانات المختلطة من هم؟
3- كيف لنا أن نقفز على ظاهرة كلية تتمثل في تاريخ الهجرات المصاهرات والانصهارات الكثيفِ المديد، وما تمخض عنه من تقلبات جينيالوجية ولسانية مست عالميا مناطق ومجموعات بشرية كاملة؛ ومغربيا، ها هو خبير سوس وما جاورها، المختار السوسي، يسجل: «وفي صحراء سوس تتموج القبائل العربية من بني هلال وغيرهم، لا يزالون يحافطون على أنسابهم وعلى لغتهم إلى الآن، وأما في بحبوحة سوس فلا يُتكلم فيها بالعربية إلاّ في أولاد جرار بضواحي تيزنيت وإلا في قبائل تحيط بتارودانت، وأما غالب هذه الأسر العربية الأصل فإنها تشلّحت حتى نست لغتها وإن لم تنسَ غيرتها العربية الدينية» ("إليغ قديما وحديثا"، ص10). ومن تلك الأسر العربية المتشلحة مثلا قبيلة شتوكة العربية الأصل؛ وفي المقابل ها هي تامسنا منطقة قبيلة البرغواطيين البربرية (من أتباع قدامى الخوارج الصفرية) قد استعربت كلية منذ عهد مديد؛ وها هو فن عبيدة الرمى يتأثر بفنـيْ أحواش وأحيدوس، إلخ.
بعد ما سقناه، وهو غيض من فيض، كيف لم ترتعد يد أوريد ويجفل قلمه ويجفّ وهو يسجل في مقالته المذكورة عن البربر أنهم: «انتُزع منهم كل شيء، لغتهم، ثقافتهم، روحهم، أراضيهم، ماؤهم، تاريخهم، وحتى أحلامهم». وفاعلو هذا الانتزاع الهائلِ المدمر ليس هم الرومان ولا المعمرين الفرنسيين، الذين لا ذكر لهم في هذا المقام من المقالة، بل إنهم العرب (ويتجنب صاحبنا تقيةً ذكر إسلاميتهم وهي الجوهر والأس). إنه كلام سائب ممجوج، بعيد عن إثباتات المؤرخين الثقات من مغاربيين وأجانب؛ كلام أدمن على ترديده عبيد المقولات العرقية والانتماءات العصبية الطهرانيةِ الميثية.
من جهة ثانية مكملة، ها ما يمكن الوقوف عنده بإيجاز:
1- اجترح صاحبنا حيفا -وأيَّ حيف!- حينما صرح على أعمدة مجلة "زمان" أن بين موسى بن نصير (الذي تأذى منه عزيزُه وعزيزنا طارق بن زياد ولأسباب سياسية صرفة) وبين هوبير ليوطي، فلا تردد له في تفضيل هذا الأخير لكونه اتسم بنزعة إنسانية [كذا]، مع أن سياسته في التهدئة الإستعمارية وغزو العقول والقلوب، التي انتهجها في المغرب، إنما صاغها بيدٍ من حديد في قفاز من حرير، سياسة نزع فيها بحزم واستماتة، كما تدل عليه كتاباته إلى استعداء "البربر" على "العرب" والحركة الوطنية، كيما يحكِم قبضته على البلاد وأناسها؛ وذلك ما تفصح عنه كتاباته ودورياته، وحسبنا أن نطلع على نص دوريته بتاريخ 16 يونيو 1921، السيئة الصيت (سبقتها أخرى في سبتمبر 1914) وعرفت أوجها التطبيقي في ماي 1930 مع "الظهير البربري" الشهير، الذي يحرم على البربر تعلم اللغة العربية وبالتالي التمكن من قراءة القرآن، كما يرقّي القانون العرفي "إزراف" على حساب الشرع الإسلامي. غير أن معارضة الحركة الوطنية، المستندة إلى شفرة عُمقية عربية-بربرية أحبطت مشروع المارشال التفريقي وأفشلت مراميه. وعليه فإن القول مع أوريد بإنسانية هذا الأخير بدعوى احترامه لعقيدة السكان الدينية ولمؤسساتهم وتقاليدهم، إنْ هو إلا زعم مشروخ وعصارة مغالطات وتدليس صارخ.
2- أما أن بتملك كاتبنا، كما يفعل محمد أركون الحركي الثقافي، أعلاما كأبولي وترتوليان وأوغسطين كبير أساقفة هيبون (عنابة)، فقد لا نحاججه في ذلك، اللهم إلا إذا توهم وأوهم أنهم وجوه أمازيغية، في حين أن انتماءهم إلى الثقافة اللاتينية المسيحية، إبان الإحتلال الروماني لإفريقيا الشمالية، لا غبار عليه ولا جدال فيه. وأخيرا، وإذ يغيب عن لائحته تلك وليدُ الجزائر آخر (ولا أحد يختار مكان ولادته) هو تيرانس (من القرن الثاني ق.م.)، فما أحرى به وأولى أن يتبنى واحدة من أروع أفكار هذا الدراماتورجي القرطاجني، وهي «أنا إنسان، ولا شيءَ إنسانيا بغريب عني»، وذلك سعيا إلى أن يصلح أوريد وجهته ويقوّم بوصلته، فيخفضَ أو يلغيَ ميولاته الإثنية و"العربوفونية"، التي تجعله بالتأكيد في حالة مخالفة بينة مع ممارسته الأدبية حيث لا لغة له في الكتابة إلا العربية. وإن كانت هذه المفارقة لا تحرجه، فما أكثر من يحق لهم أن يندهشوا لها بل أن يوحوا له، عوضا عن تحاملاته من جهة ودفاعاته الحماسية الانفعالية من جهة أخرى، بمحاولة وضع اليد في عجين تيفناغ لكي يحرر، كرائد، الدراسات والروايات وربما يخلق أتباعا ومستأنفين، وربما ليعِدَّ بروز جمهور قراء، ولو بعد حقب متطاولة. وإن حسه العلائقي والإعلامي قمين بإسعافه في ذلك وخدمته، وهو حسٌّ حاد يغبطه عليه من ليس لهم في هذا الشأن حول ولا قوة.
3- في مسألة ذات حساسية خاصة عربيا ومغاربيا، كان يحسن بأوريد، على الأقل، أن يعلّق حكمه بدل التصريح بما يغذي جنوح الغلاة التنصلي عربيا وحجاج إسرائيل، ومفاده أن المغرب ليس له مشكل مع الدولة العبرية، ثم إرداف ذلك من بعد باستلهام قولة مؤسس الدولة الصهيونية بن ﮔـريون: «لقد أنقذْنا الكتاب فأنقذَنا الكتاب»، وذلك بتسمية مقالته الآنفة الذكر "اللغة الأمازيغية أنقذتنا"...
ختاما، يبقى الأمل معقودا على جواز ممارسةِ حسن أوريد لنقد ذاتي يستعيد به وعيه التاريخي الأقوم وتبصره البحثي الأنور، متخلصين أصليا من أيِّ نزوع إلى حسابات ضيقة عقيمة وإلى اتصافٍ بعقلية الغلِّ والحسيفة وسلوك الإثـئار.

الأحد، 15 مارس 2015

إشكالية اللغة والفكر - محمد الكتاني


المصدر الأصلي للمقال من هنا

إشكالية اللغة والفكر
-1-
kettaniمنذ انبعث العالم العربي من هجوعه في النصف الأخير من القرن الماضي وهو يبحث عن ذاتيته ويتحسس طريق نهضته، كأنما كان يحاول الخروج من تحت أنقاض بناء شامخ تهاوى فوقه. كان هذا العالم يعيش على وتيرة من حياة مقيدة بكل أثقال وأوزار العصور التي خلت. فلما انفتح على العالم الغربي بسبب الاستعمار والغزو الأوروبي لبلاده زادته الحضارة الجديدة الوافدة ارتباكا وحيرة. إذ انقسم رأي أهل الرأي فيه حول مل ينبغي أن يسلكوه لتحقيق نهضته، على أنحاء من التفكير. فكانت طائفة من مثقفيه تدعوه إلى النظر إلى الوراء والأخذ عن السلف، أو إحياء تراث السلف، وكانت طائفة من مثقفيه تدعوه للنظر نحو الأمام والركض وراء الغرب للحاق بركبه في العلم والحضارة، بينما كانت طوائف شتى تقترح حلولا مختلفة بين هؤلاء وأولئك.

وكانت الضوضاء الفكرية التي ارتفعت بالدعوات والآراء المختلفة المتصارعة مما يزيده بلبالا وخبالا. وكان شر ما في هذه الضوضاء أنها كانت تحول بين العقول وبين الأصوات المخلصة يومئذ، تلك التي تنفذ إلى جوهر الداء والدواء. وكانت ترى أن البداية المنهجية لبناء النهضة يجب أن تنطلق من إصلاح الفكر وتقويم النظر إلى الأشياء من جديد. ثم إصلاح اللغة.
وفي هذه اللحظة قال الشيخ محمد عبده:"وارتفع صوتي بالدعوة إلى إصلاح أمرين خطيرين أو عظيمين":
1- تحرير الفكر من التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة.
2- إصلاح اللغة العربية.
هكذا بدأ منهج الإصلاح لمفكر عميق النظر، فهو يقوم على قطبي الفكر واللغة. وقد كان إصلاح اللغة يعني تحريرها من الجمود، وإحياء تراثها بإحياء ثقافتها من جديد. بعد أن فسدت |أذواق الناس وجمدت قرائحهم، واستعجمت ألسنتهم، ووقعت القطيعة بينهم وبين تاريخهم وتراثهم.
لم يفهم الناس يومئذ معنى أن تكون البداية من اللغة هي البداية المنهجية للنهضة، بل مشوا مكبين على وجوههم، وظنوا أن البداية للرقي هي في اصطناع الأزياء الجديدة، واستهلاك المصنوعات الغربية الحديثة. إذ كان تصورهم للغة من البساطة بحيث لم يتجاوز حدود الإدراك العام. إلا أن الزمن كان كفيلا بأن يظهر ذلك التناقض الذي ينطوي عليه واقع الأمة العربية يومئذ، إذ بعد مرور عقدين أو ثلاثة من السنين بدأ الصراع اللغوي بين أنصار الفصحى وبين أنصار العامية، بين دعاة القومية الضيقة الذين رأوا منهج النهضة في إحياء لغات مندثرة أو اصطناع عاميات مبتذلة، وبين دعاة اللغة العربية وحماتها الذين رأوا ألا قومية ولا شخصية إلا في إطار الإسلام والعروبة بالمعنى اللغوي لا العرقي.
وأسهم الأجانب المستعمرون والمبشرون يومئذ في تحريك ذلك الصراع في المغرب والمشرق على حد سواء. واتخذت الدعوة إلى العاميات في العالم العربي شكل حملة منسقة منذ بداية هذا القرن إلى منتصفه. وأثناء ذلك ظهرت الدعوة إلى إلغاء النحو العربي أو إلى تجديده، وإلى إلغاء البلاغة العربية أو تطويرها، وإلى الثورة على الأدب العربي وإلقائه في البحر. والثورة على كل ماضي الأمة العربية واعتبار الماضي العربي بالنسبة لبعض البلاد العربية مرحلة من الاستعمار والتبعية والانغلاق والسقوط في عصور الظلام([1]).
وواجهت هذه الثورة الفكرية الهوجاء يومئذ مقاومة صامدة آمن رجالها بالأصالة الحضارية للأمة العربية وبالتراث الإسلامي، وباللغة العربية. وشهد لهم التاريخ الحديث بالبلاء الحسن في هذا الصراع. ولكن موقف هؤلاء لم يتجاوز حدود الدعوة إلى المحافظة والثبات على القيم، والصمود في وجه الثورة، في حين كان العصر والمرحلة التاريخي الحاسمة يتطلبان إعادة النظر في تقويم كل شيء.
لم يمتد الصراع إلى اللغة يومئذ في نطاق الصراع الإيديولوجي والاستعماري الذي شهده العالم العربي وما يزال يشهده حتى اليوم مصادفة واتفاقا. وإنما امتد الصراع إلى اللغة على أساس واضح وخطة مبينة. فإن اللغة التي كانت تسدد إليها يومئذ سهام الخصوم وحملات الطاعنين كانت بمثابة مستودع التراث العربي والإسلامي. وهذا التراث كان الحصن الحصين للعقيدة،والهواية القومية والتاريخية. فهو (أي التراث) القيم على استمرار الفكر الإسلامي، والقيم على استمرار الطابع العربي والعامل المشترك في صناعة المصير العربي الواحد.
وكان القضاء على هذه الحقائق أو تزييفها غير ممكن إلا بإحداث القطيعة بين اللغة العربية والأجيال الجديدة من أبناء الأمة العربية، وذلك بردهم إلى لهجات محلية متفرقة بحيث تقوم حدود لغوية صارمة بين كل قطر عربي وقطر. ويصبح التراث الذي صنعته القرون وأبدعته السيرة الحضارية غريبا على الألسن والعقول. أو قل يصبح تراثا أجنبيا يحتاج إلى الترجمة إلى هذه اللهجات التي تحولت إلى لغات، وهم لن يستطيعوا ترجمته، فضلا عن قراءته، فضلا عن تمثله والارتواء منه.
وهكذا يتم الفصل بين اللغة وبين الفكر، على أساس تنشئة فكر جديد ذي صول مبتدعة أو مجلوبة، وبقدر ما كانت هذه الغارة الشعواء شديدة الوقع بقدر ما كانت مقاومتها وتحديها شديدي المراس. وبقدر ما كان الداعون المخلصون من أبناء الأمة العربية \إلى مستوى التعبير عن المرحلة التاريخية والحضارية، واتخاذها أداة طيعة للبناء والتجديد.
كان منطق التجديد اللغوي، وإحياء اللغة، والارتفاع بها وبالناطقين بها وبالثقافة المعتملة فيها إلى المستوى المطلوب، من خلالها وبواسطتها منطقا يفرضه الواقع وتمليه طبيعة التاريخ.
فعندما قامت الثورة الفرنسية مثلا في أواخر القرن الثامن (1789) لم تمض أكثر من خمسة أعوام عليها حتى أسست في فرنسا الأكاديمية القومية للعلوم والآداب والفنون والأخلاق والسياسة، وذلك في ضوء ما مضى من تاريخ فرنسا، وفي ضوء ما تستقبله من مصير، أو تطور شامل، وكان من فروع البحث التي حددت لهذا المعهد القومي فرع بحث وتحليل علاقة الفكر بالعالم الخارجي، أي بالحواس، وباللغة، وبالمعرفة الإنسانية.
وقد قدم أحد أعضاء هذه الأكاديمية رأيا واضحا في هذا الموضوع الذي نتحدث عنه. وهو أن اللغة ليست لمجرد التعبير عن أفكار تكونت بل هي جزء لا يتجزأ من عملية التفكير ذاتها. وإذن فتطور العلوم والمعرف مرهون بتطور اللغة أو تطويرها، وهي نتيجة يمكن أن تصاغ على نحو آخر. وهو أن من المحال تحقيق تغيير للإنسان أو ترقيه للإنسان ما لم يسبق ذلك تغيير علاقته باللغة أو تطوير إحساسه باللغة، وإقداره على التأثر بها والتواصل معها.
وفي هذا السياق ترد أفكار ودعوات بعض المفكرين الفلاسفة من قادة القوميات الغربية في العصور الحديثة حول دور اللغة في خلق الفكر، وتأسيس الشخصية القومية. وتأهيل الإنسان للإبداع. فهذا هردر Herder الألماني يعلن أن رؤية الإنسان للعالم راجعة بالأساس إلى النسق اللغوي الذي ينشئها إنشاء. وأن لغة الأمة تتضمن هذه الرؤية التي توجه الأفراد وتوحد بينهم داخلها. فاللغة ليست أداة أو وسيلة وحسب بل هي أكثر من ذلك بالنسبة للأمة ولفكر الأمة، فهي الكل الحضاري والمستودع الثقافي والشكل الفكري([2]).
وهي نفس الفكرة التي يتلقاها مفكر آخر هو هامبولد Humbold ليحولها إلى صياغة جديدة. وهي أن اللغة هي أداة تغيير العالم وإعادة بنائه. ولن نستطيع أن ندرك أبعاد هذا الرأي إلا إذا وقفنا بالفعل ومن خلال التاريخ الإنساني على قدرة اللغة وطاقتها الإبداعية ووظائفها التطويرية من خلال نشوء الأمم وازدهارها وخمولها، حيث نجد وراء كل نهضة حضارية نهضة لغوية تزامن ازدهار الفكر وحيويته.
وهذا ما تجلى في عصر النهضة بالنسبة للوطن العربي حين صاحب الوعي القومي والوعي الديني إلى إحياء اللغة العربية والانطلاق من تأسيس الفكرة القومية العربية أحيانا على أساس لغوي، وقد غلا بعض الدعاة من أنصار القوميات العرقية في الدعوة إلى لغات مندثرة أو طالبوا بالتحول عن اللغة الفصحى إلى العاميات كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وكان هؤلاء الدعاة الذين اعتبروا اللغة مظهرا وقاعدة في نفس الوقت للنهضة الجديدة لطفي السيد، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وأمين الخولي من المصريين، وإسعاف النشاشيبي من فلسطين، وزكي الأرسوزي وسعيد الأفغاني من سوريا وغيرهم كثير إن لم نقل إن كل داعية مصلح ومفكر سياسي كان ينطلق من الدعوة إلى اعتبار اللغة العربية الإطار القومي اللغوي لتحقيق نهضة فكرية واجتماعية.
وقد وقفت طويلا في كتابي (الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث) على كل الأفكار المتصلة بإحياء اللغة العربية والدعوة إلى تجديدها أو دعوة خصومها مما لا يسع ذكره الآن. ويكفي أن نورد عناصر المنطق الذي رد به الرافعي على دعاة تمصير اللغة العربية باسم التجديد فيها وذلك أنه اعتبر اللغة العربية لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن الكريم، ولذلك يجب أن تظل لغة القرآن مفهومه بل متذوقة بل ظاهرة الإعجاز، ولا يتحقق ذلك إلا بممارسة الفصحى والتأدب بآدابها والاحتذاء عليها. وإذا كانت خاصية العربية في الفصاحة والبيان ليست في الألفاظ ولكن في تركيب الألفاظ، وأنساق التعبير وأسلوب الصياغة، فإن الإبقاء على هذه اللغة معناه إدراك دقائق العربية واستيعاب قوانينها نحويا وبلاغيا ومعجميا. فإذا كان ذلك صحيحا وهو أمر لا شك فيه فيجب أن نحرص كما يقول على الأصل الصحيح القوي الذي في أيدينا ونتحمل فيه ضعف الضعفاء ونصبر على مدافعتهم عن إفساده حتى ينشأ جيل أقوى من جيل ([3]).
وهناك المفكر العربي السوري زكي الأرسوزي الذي ألف كتابين عن اللغة العربية وضع فيهما فلسفة خاصة تقوم على اعتبار كون الأمة أي أمة لا تتجلى أصالتها وعبقريتها إلا في لغتها، فاللغة بالنسبة لأفراد تلك الأمة ليست مجرد أداة للتفاهم وإنما هي لباس لفكرهم وطباعهم ومرآة لعلاقتهم اللامتناهية مع الكون والتاريخ([4]).
كانت أفكار هؤلاء المفكرين وأفكار سواهم تنطق بإحساس العرب وهم يستجمعون أنفسهم ويخوضون معركة مصيرهم ضد الاحتلال الأجنبي والهيمنة الفكرية الأجنبية فكانت دعوتهم منسجمة مع روح عصر النهضة.
-2-
ولا نبعد في البحث عن تلك النهضة والنهضة العربية الكبرى عند ظهور الإسلام إنما كانت مثالا على هذه الحقيقة. فالواقع أننا أمة أنشأتها معجزة القرآن وهذه النشأة تعلمنا الكثير من الحقائق عن علاقة الفكر باللغة. فنشأة الدولة الإسلامية ثم الحضارة الإسلامية، ثم الفكر الإسلامي، كل ذلك جاء نتيجة لنفاذ كلمة الله إلى أعماق ذلك المجتمع الذي ظل يتأهل عبر العصور الجاهلية للالتحام بجوهر الكلمة المبدعة. ولم يكن للعرب علم غير علم لغتهم، وشعرهم وخطاباتهم. فلما جاءهم الخطاب الإلهي اهتزوا له اهتزاز الأرض الموات أصابها غيث فارتوت ثم أينعت.
وتاريخنا الثقافي والحضاري مصداق للمقولة الدائرة(في البدء كانت الكلمة) لأن البداية لإنشاء تاريخنا كان تلقيا عميقا لكلمة (اقرأ) وما تلاها من آيات بينات وغيرت نظرة أسلافنا للواقع، وحفزتهم إلى السيطرة عليه. وامتلاك ناصية العلم، وعمارة الأرض ونشر الإسلام ومعايشة الثقافات.
فالعربي الذي لا يهتز اليوم للغة القرآن ولا يستوعبها، ولا ينفعل بسحرها، ولا يدرك آماد إعجازها إنسان عاجز عن اللحاق بتاريخه فاقد للإحساس به. فضلا عن كونه عاجزا عن الإضافة إليه وإثرائه، لأنه ضائع بين قوميات لغوية، لا ينتمي لأي منها إلا على سبيل التبعية الفكرية والوجداينة.
وأعتقد بهذا الصدد أنه يستحيل قيام نهضة عربية خلاقة أو قيام مجتمع إسلامي موحد من غير جعل اللغة أداة لتلك النهضة وللتعبير عن حركة الخلق فيها. ومن غير جعل اللغة أداة لهذه الوحدة والتوحيد بشكل من الأشكال مهما بدأ هذا الرأي مغرقا في الخيال.
-3-
وهناك مظهر آخر لالتحام اللغة والفكر من خلال التراث الإنساني كله، ومن خلال واقع الصراع الفكري في ثقافة من الثقافات أو مجتمع من المجتمعات. وهو دليل على أن اللغة أداة للفكر ومادة له في نفس الوقت، ويخيل إلى أن التفكير إذ يتكون من التصورات والأحكام فإن تحليله إلى عناصره الأساسية لا يمكن أن ينتهي إلى غير ألفاظ اللغة المجسمة لتلك العناصر. وهذا ما يؤكد نظرية الفيلسوف المنطقي المعاصر فتجنشتين القائلة بأن اللغة مطابقة للواقع فكما أن اللغة تنحل إلى قضايا أولية فكذلك الوقائع تنحل إلى مكونات جزئية. والقضايا في النهاية ألفاظ وأسماء بسيطة لا يمكن تحليلها وإنما يمكن تسميتها فقط. فالأسماء إذن هي بداية تكوين الفكر واللغة معا.هي منطلق تكوين الواقع في التصور وبناء القضايا في المنطق والتفكير.
وتحتوي اللغة منطق الفكر نفسه وذلك لأنها تتيح للفكر تكوين الرموز الشيئية والرموز البنائية، أي تكوين القضايا في صياغة صحيحة دالة على مستويات متعددة. وتتوقف صحة التفكير على صحة استعمال هذه الرموز. وعندما يقع الاختلاف في الأفكار والآراء فقد يكون الباعث على هذا الاختلاف في الغالب خلافا في استعمال اللغة أو توجيه الدالة. وليس قصدي التهوين من شأن الاختلافات باعتبارها مجرد خلافات لغوية، فقد يكون الاختلاف منهجيا وقد يكون موضوعيا، ولكن اللغة دورا مهما في تعميق هذا الخلاف بين الآراء.
وهناك مثال في تاريخ الفكر الإسلامي يؤكد ما نقول – فقد كان في تاريخ هذا الفكر طائفة من اللغويين والأصوليين والفقهاء والمحدثين- تقيديت بالنصوص. أي جعلت الفكر تابعا للفظ الشرعي وللدلالة التي ينطوي عليها اللفظ. وهناك طائفة أخرى أنكرت أن يكون الفكر هو التابع للغة التابع للغة، لان منطقها من منطقه.
إن نزاع علماء الكلام بين أشاعرة ومعتزلة، وخلاف أهل الباطن مع أهل الظاهر، إنما يتمحور جله حول الموقف من النص الشرعي فطائفة وقفت على ظاهرة، وطائفة ذهبت في تأويله كل مذهب. طائفة تعتبر اللغة رمزا أكثر منها تحديدا لواقع أو حقيقة. وطائفة تعتبر اللغة حدودا وحقائق مطابق لمعانيها.
وهكذا يرجع الخلاف في أساسه إلى تحديد علاقة الفكر باللغة وعلاقة الواقع باللغة، فهل اللغة فوق العقل، وفوق حدود الفكر، أم العقل هو الذي يفوق اللغة ويجب أن يتحكم فيها. وقد ظهرت المشكلة في عمقها في بداية ظهور الإسلام عندما أصبح النص القرآني موضع نظر وتأويل وتحليل.
وعبر عن إجراك المشكلة في إطارها اللغوي من رجال الفكر والإسلامي يومئذ. فهذا ابن قتيبة يؤلف رسالة قيمة بعنوان (الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة) ليحسم الخلاف بين المحدثين والمتكلمين يومئذ في بعض قضايا علم الكلام.
وفي هذه المسألة أمثلة عديدة تدل على الموقفين المشار إليهما من قبل. موقف من يجعل العقل متحكما في اللغة، وموقف من يجعل اللغة متحكمة في العقل.
وظهر في الفكر الإسلامي منذ ذلك الحين تيار قوي يضم المعتزلة والمتصوفة والمتفلسفة يجنحون إلى تأويل. كل على شاكلته، وذلك ليتسق مذهبهم ومواقفهم مع النص القرآني حين يكون ظاهره مخالفا لتلك الموقف. ويمكن القول بأن طبيعة النص القرآني المتضمن للمحكم والمتشابه من الآيات هي التي حملت المتأولين على تأويلهم. وقد يطعن طاعن اليوم فيقول إن القرآن هو الذي أحوج إلى التأويل وأوقع في الإشكال، إذ لو كان قد ورد على نسق واحد من إحكام الآيات لارتفعت الحاجة إلى تأويل. ولزمت الحجة وذهب الخلاف من حيث أتى. ونرد على ذلك قائلين: إنما يتعين وجه الأحكام والتشبيه من جهة موضوع الكلام لا من جهة قائله: فالموضوع الذي يعرض له القول هو الذي يحدد طبيعة القول. فإن كان الموضوع ماديا ملموسا أو واقعا محسوسا أو معنى محدودا بالجهة والصفة والزمان والمقولات الأخرى كانت العبارة عنه محكمة لأنه محكم في تصوره كم حيث هو. وإن كان الموضوع مجردا غير محسوس ولا مقيد ولا مخصص ولا مقيس ولا هو من جملة ما يقع عليه اللمس والإشارة كانت العبارة عنه محوجة إلى المجاز، وكانت الدلالة عليه داخلة في أنواع من الدلالات مختلفة غير دلالة المطابقة.
فالمحكم والمتشابه من القرآن يأتيان من جهة موضوع كل منهما.لأن اللغة التي جاء بها القرآن أو نزل بها هي لغة العرب التي اتسعت في إعجاز وضروب الاستعارة على ما يعرفه علماء البلاغة. على أن ذلك المتشابه في القرآن ليس مما يعي العقول فهمه. كما قال ابن قتيبة إذ لم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل على معنى أراده.
وكذلك كان رأي مفكري المعتزلة. في أن العلماء يعلمون تأويل القرآن لأن المقصود من الخطاب معرفة مراد المخاطب، فوجب أن يكون لمعرفة ذلك طريق تفضي إليه وإلا كان الخطاب تعميما وتلبيسا وعدولا عن البيان.
-4-
يقودنا هذا التمهيد إلى وضع إشكالية اللغة والفكر على صعيد أعم من أن يكون لغويا بحتا.لأنه يتعلق بالفكر وبالوجود الإنساني من حيث هو.
فإذا كان الإنسان يدرك بقدرته الفطرية نظاما لغويا ما، ثم يظل يتعلم –كما هو شأن الطفل- كيف يحول إدراكه لذلك النظام إلى بناء لغوي (كلام). فما دور الفكر إذن داخل اللغة أو خارجها. إن من الواضح في نظرية تشومسكي أن اللغة شيء والتفكير شيء آخر. وأن التفكير يستعمل اللغة كوسيلة وأداة للتعبير لا غير.
لابد هنا من التذكير بأن المواقف الرئيسية من علاقة الفكر باللغة تعود إلى ثلاث مواقف:
1- موقف يعتبر اللغة والفكر شيئا واحدا
2- موقف يعتبر اللغة قبل الفكر، وبواسطتها يتم إنشاء الفكر ذاته.
3- موقف يعتبر الفكر قبل اللغة ومستقلا عنها، وأن اللغة مجرد وعاء خارجي لعملية التفكير.
1) وأصحاب الموقف الأول هم العلماء النفسانيون السلوكيون أمثال (سكينير Skinner)، ولم تثبت نظريتهم عند التمحيص لأنه فضلا عما ثبت بالتجارب من كون الفكر يظل يشتغل حتى في حالة عجز الإنسان عن الكلام أو عدم قدرته على التعبير، فإننا نشعر جميعا بشكل مباشر أن تفكيرنا مستقل عن اللغة هو النظام التجريدي العميق الذي يدركه كل إنسان بفطرته ويستخدمه بقدر طاقته. وأن هذا النظام ملازم للتفكير وضروري له. وهذا اعتراض وجيه، ولكنه يحتاج إلى تمحيص.
2) وأصحاب الموقف الثاني هم الدارسون الانتروبولوجيون بعامة وبعض المفكرين الفلاسفة والمناطقة الوضعيين المعاصرين الذين قادهم البحث إلى الاعتقاد بأن اللغة هي التي تحدد طبيعة التفكير. فخصائص كل لغة تحدد خصائص تفكير أهلها. وهؤلاء القائلون بهذه النظرية متأثرون طبعا بالنزعة الاجتماعية القائلة بأن المجتمع هو الذي يصنع أفراده، يحدد لهم لغتهم كما يحدد لهم تفكيرهم.
ويعتبر الفيلسوف النمسوي لودفينغ فتجنشتين Ludlwing Wittgenstein (1889-1951) من أكبر الفلاسفة الوضعيين والمناطقة الكبار المعاصرين الذين تعمقوا علاقة الفكر باللغة، وقد كان يعتقد – وهذه عباراته- أن حدود اللغة التي أفهمها هي حدود عالمي([5]). كما كان يعتقد أيضا أن الفلسفة عبارة عن معركة ضد البلبلة التي تحدث في عقولنا نتيجة لاستخدام اللغة([6]) فسبب المشكلات الفلسفية والشكوك الفلسفية كلها ليس إلا استخدام اللغة استخداما خاطئا.
3) أما أصحاب الموقف الثالث فهم الفلاسفة المثاليون بعامة الذين يعتقدون بأن اللغة ليست سوى وسيلة للتعبير، وبأنها مستقلة عن الفكر وتابعة له تماما. وأن الأفكار تنشأ من غير أن يكون للغة دور تكوينها، لأن الفكر الإنساني ينبعث داخليا في حالات الصفاء الذهني البعيد عن كل أصوات اللغة وتأثيرها. وهذا معنى كون الإنسان يستغرق في تفكيره، ويستطيع أن يعبر عنه بغير اللغة، بالرسم والنحت والتصوير والموسيقى، وبشتى أشكال التعبير الأخرى. بل هناك من يذهب بعيدا فيدعي أن اللغة كثيرا ما تجهض الفكرة. وأن الشاعر حالما ينتهي من قصيدته يشعر بأن ما أراد التعبير عنه هو أكثر بكثير مما عبر عنه بالفعل.
ويتسق هذا الموقف من النظرية القائلة بان اللغة هي نظام من التواصل أي من الرموز والإشارات المعبرة عن أفكار ومعان لها استقلالها.
لم يستطع الماديون السكوت على هذا الموقف الذي يشطر الوجود الإنساني إلى روحي ومادي، ويعتبر الفكر أو الروح أسبق وأعلى من المادة. بل هاجموا هذا الموقف من أساسه. هاجم هؤلاء الماديون الفلاسفة المثاليين في موقفهم من اللغة. وهاجموا الوضعيين المطقيين، الذين ينكرون وجود واقع موضوعي خارج اللغة أو خارج ذواتنا، القائلين بأن حدود العالم هي حدود اللغة. ورفضوا انشطار الوجود الموضوعي – في مستوى اللغة - إلى لفظ ومعنى، وفي مستوى الأشياء إلى ذات وموضوع، وفكر وواقع، أو لغة وفكر.
ويقترح بعض المنظرين اللغويين السوفيت (سميرنيتسكي) حلا للإشكال افتراض لغة داخلية هي غير اللغة الخارجية. فيعود بنا إلى نظرية تشومسكي في هذا التقسيم. ثم يعتبر أن الفكر لا يمكن إن يتم بغير تلك اللغة الداخلية على الأقل. وهو الافتراض الذي يقوم على أساس تقسيم (دي سوسور) نفسه في التمييز بين اللغة والكلام.
-5-
وقد يتساءل المتسائل: ماذا قدمه الفكر الإسلامي من آراء في مجال فلسفة اللغة، ولا سيما ونحن نعلم أن المتكلمين قد خاضوا في بحث مشكلة اللغة، وقادهم التأويل إلى النظر في علاقة الفكر باللغة؟
إن الفكر الإسلامي اعتبر اللغة واصلا بين وجودين: أما أحدهما فوجود مطلق هو الله. وأما الثاني فوجود نسبي محدود وهو الإنسان. فاللغة واسطة بين عالمين أو وجودين أو طرفين.
والطرح الذي يقدمه الفلاسفة المسلمون للغة ينطلق من موقف ابستمولوجي بمعنى أنهم ينطلقون من تصور شامل للوجود يضعون الإنسان في حيز منه كما يوضع جهاز داخل نظام معين كنظام، ثم يعتبرون وجود الإنسان الوظيفي مرتهنا بالموضع الذي يحتله، وبالنظام الشامل الذي يحيط به. وبالهدف الأسمى الذي وجد من أجله. فعندما ينص القرآن على هذه الحقيقة: (خلق الإنسان علمه البيان) أو ينص على حقيقة أخرى: (وعلم ادم الأسماء كلها) يكون قد حدد المجال الذي على الفكر أن يتحرك لملئه. فالإنسان عند الجاحظ كما هو عند فخر الدين الرازي كائن يعي وجوده ووعيه للوجود فكر ناطق. ولا يكون الفكر إلا ناطقا. كما لا يكون النطق إلا فكرا.
قال الجاحظ:"ووجدنا كون العالم بما فيه حكمة، ووجدنا على ضربين: شيء جعل حكمة وهو لا يعقل الحكمة ولا عاقبة الحكمة. وشيء جعل حكمة وهو يعقل الحكمة وعاقبة الحكمة. فاستوى بذلك الشيء العاقل وغير العاقل من جهة الدلالة أنه حكمة.واختلفا من جهة أن أحدهما دليل لا يستدل، والآخر دليل يستدل، فكل مستدل دليل وليس كل دليل مستدل. فشارك كل حيوان سوى الإنسان جميع الجمادات في الدلالة. وفي عدم الاستدلال واجتمع للإنسان أن كل دليلا مستدلا، ثم جعل للمستدل سبب يدل على وجوه استدلاله ووجوه ما نتج له الاستدلال وسموا ذلك بيانا"([7]).
فاللغة لدى الإنسان اقتضاء وجودي. وعلاقته بها الطبع والاقتضاء لا بالغرض والاتفاق. وبهذا المنحى من التفكير يكون الإنسان قد وهب الفكر واللغة معا لا أسبقية لأحدهما على الآخر وإنما وجودهما معا داخل جدلية التكامل لا يتراءى لك أحدهما متقدما على الآخر إلا تراءى لك من وجه.
أما معنى كون اللغة واصلة بين وجودين وواسطة بين عالمين. فإن أكثر مما يتحقق ذلك في الإنسان. فالإنسان روح ومادة. واللغة واصلة بينهما. والله مطلق والإنسان نسبي وكلامه تعالى واسطة بينهما. ووجود الأشياء في حد ذاتها كون، ووجود الحكمة فيها كون آخر، واللغة مرآة بينهما والإنسان في ذاتيته عالم وسائر أفراده عوالم واللغة واصلة بينهما.
وبهذا المعنى ندرك الفكرة التي قررها ابن حزم حين نزل الظاهرة اللغوية منزلة الباعث على التئام البشر مع مقتضيات الطبيعة وبالتالي لالتئام الكون جملة. إذ يقرر أن علاقة الإنسان بالأشياء إنما علاقة (معرفة) ثم يقول : إنه لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط اللفظ ثم يمضي في تقرير هذه الخصوصية الإنسانية فيضيف: إن اللغة فضلا عن كونها منفذا لتحقيق التواصل بالوجود فإنها كذلك جسر الإنسانية نحو إدراك القيم المجردة.
فاللغة إذن كما حددها الفكر الإسلامي تترقي في منازل الوجود الإنساني فتكون قوة كامنة. ثم تصير قوة بالفعل ثم تصير اكتسابا وفكرا ورؤية، ثم تصير عقلا مجردا وبذلك تلتحم اللغة بالفكر فيكون لكل منهما من الوجود بقدر ما للآخر. ولو أن أيا منهما جاء اعتباطا وارتبط بالآخر اتفاقا لكان جوهر كل منهما مباينا للآخر.
فكأن خلقهما في لحظة واحدة، ومفصلا على قدر وجود كل منهما. لا تجد إنسانا إلا ولغته بحجم عقله. وعقله بحجم لغته.
وإذا التفتنا إلى نظريات المحدثين والمعاصرين ورأينا تقريرهم كون اللغة بنية ونظاما متكاملا متحركا من داخله بقوانين كلية كما تقرر ذلك الألسنية البنيوية المعاصرة، فإننا نتساءل: هل تنشأ البنية عرضا من جملة بنيات مختلفة، أم أن البنيات كما نراها في الكائنات العضوية تبرز دفعة واحدة متميزة بكليتها ونظامها الذاتي، شأنها شأن البنيات الصناعية، لا تبرز إلا من خلال صانع وضع صورتها كلية، ثم أنجز تلك الصورة على أساس من التكامل؟ هذا الإدراك العميق النافذ إلى كلية اللغة العربية ونظامها البنيوي هو ما طاف بذهن ابن جني الوقاد. فقال :"اعلم أن واضع اللغة لما أراد صوغها وترتيب أحوالها هجم بفكره على جميعها، ورأى بعين تصوره وجوه جملها وتفاصيلها". وكأن ابن جني هاله نظام اللغة بوصفها كلا متكاملا وقادرا على النمو إلى ما لا نهاية، داخل قوانين معينة. وهو نفس ما أراد أن يفسره علميا تشومسكي أحد أعلام الألسنيين المعاصرين الأمريكيين مؤسس نظرية التوليدية والتحويلية. ونظريته تقوم على اعتبار اللغة كلا متجانسا قائما على بنية عميقة يدركها الإنسان المتكلم ويعيها حق الوعي ثم يخضع لها حينما يعبر. أي يقوم بتحويل خصائصها العامة وبشكل عفوي إلى بناء خارجي هو الكلام.
وقد تأكد من خلال التجارب العلمية أن نظرية تشومسكي صحيحة فيما يتعلق بكون الطفل لا يكتسب اللغة عن طريق محاكاة البالغين، بل إنه يفعل ذلك عن طريق تكوين الفرضيات واستعمال قواعد خاصة به، يجري تعديلها باستمرار إلى أن تشبه القواعد التي تحكم لغة الكبار. وأنه أي الطفل يعلم بشكل آلي أو عفوي أن اللغة محكومة بقواعد معينة عليه اكتشافها([8]).
إن ما يمكن ملاحظته يعد استعراض هذه المواقف تجاه إشكالية اللغة والفكر أن الفكر العلمي والفلسفي المعاصر لم ينتهيا إلى نتائج يمكن اعتبارها حقائق نهائية في مجال البعد العقلي للغة، أو البعد اللغوي للفكر.
إذ كانت مناهجهم ذاتها غير قادرة على الوصول إلى نتائج علمية يمكن الاطمئنان إليها. فهذه المناهج داخلية، تتحكم فيها مادة اللغة نفسها وطبيعتها ومنطقها الخاص، ولا يمكن معها الحصول على أي تفسير لما خارج اللغة نفسها من قوانين تتحكم فيها. ولتوضيح ذلك نذكر ما يلي:
لقد أصبحت اللغة كظاهرة إنسانية موضوع كثير من الدراسات والأبحاث العلمية المتنافية باسمرار. واستوجب البحث نفسه تقسيم الظاهرة إلى جوانب. فهناك الجانب الفسيولوجي المتعلق بأجهزة التصويت اللغوي. وهناك جانب الأصوات اللغوية نفسها. وهناك جانب النظام الداخلي لكل لغة. وهناك مستويات متعددة لهذا النظام. كالمستوى الصوتي والمستوى الدلالي والمستوى التركيبي.
غير انه إذا كان البحث الحديث في اللغة قد تميز بمنهجية علمية وصيغية دقيقة، أدى على إثراء الجانب فان القضايا الإشكالية المتعلقة بطبيعة اللغة ما تزال دون ما يطمح إليه الباحثون من نتائج. فالقضايا التي شغل القدماء أنفسهم بها ما تزال بعضها في نفس المستوى من الإشكال. كعلاقة اللغة بالفكر، وعلاقة اللغة بالواقع ومصدر اللغة أو نشأتها.
لقد كانت المنهج المصطنعة في البحث الألسني إما دراسة تحصر نفسها في دائرة البنية اللغوية كما تمثلها لغة من اللغات أو مجموعة متقاربة منها، وفي مستوى من المستويات كالصوتيات أو الدلالة أو التركيب.
وإما دراسة سلوكية نفسية تجريبية تنطلق من منطلق يحصر رؤية المنهج وأهدافه في تأكيد كون اللغة كالفكر مجرد عادات وسلوك يكتسبه الإنسان في حياته.
وإما دراسة منطقية توازن بين قوانين الفكر في الاستدلال والاستنتاج وكيفية استخدام اللغة في هذا المجال.
وإما دراسة تكنولوجية شكلية قائمة على الرياضيات أو المنطق الرياضي لمسايرة نظام البرمجة في العقول الالكترونية، وإذا كانت هذه المناهج تستطيع أن تحقق الكثير من المنجزات العلمية المتصلة بلغة من اللغات ووصفها وصفا دقيقا. فإنها لا تستطيع أن تصل إلى تحديد الوضع الخارجي للغة إلا بدراستها مقترنة بالفكر وبالنفس الإنسانية، لأن اللغة والفكر هما في النهاية شيء واحد. ودراسة الفكر واللغة باعتبارهما المميز للكائن الإنساني عن الحيوان، وعن كل الكائنات الأخرى تفرض وضع المشكلة في إطار الوجود الإنساني، وعلاقته بالعالم ككل.
وهذه النظرة الفلسفية إلى اللغة هي التي بوسعها مواصلة البحث والتأمل في طبيعة اللغة لا كنظام نحوي أو بلاغي أو تعبيري. ولكن كاستعداد ووجود بالقوة داخل الإنسان.
-7-
نخلص من هذا العرض إلى النتائج العلمية التي يمكن أن تتحول إلى سلوك لغوي بالنسبة لأمتنا التي هي في مرحلة من التاريخ تشعر فيها بالتخلف وبكونها تفقد الكثير من وسائل تنمية شخصيتها ومنهجية هذه التنمية.
لا شك في أن النتيجة الأولى التي تظهر واضحة هي ضرورة ارتباط نهضتنا الفكرية بنهضة لغوية تعبر عن هذا الفكر. وضرورة اعتبار اللغة الوجه الخارجي للشخصية الوطنية. فالذين يبحثون أو ما يزالون يبحثون عن تعويض اللغة العربية بأي لغة أخرى أو جعل هذه اللغة أو تلك في مستوى واحد مع اللغة العربية بحجة أو بأخرى يعملون من حيث يشعرون أولا يشعرون على تفتيت الشخصية المغربية الإسلامية والتنكر لتاريخها.
والنتيجة الثانية أن التاريخ الأوروبي الحديث يؤكد لنا أن نهضات الأمم الغربية الحديثة قامت على أسس، منها ما هو علمي وسياسي، ومنها ما هو قومي واجتماعي. وتحتل اللغة أو الشخصية اللغوية المكانة المرموقة بين هذه العوامل. مثلما كان الشأن في نهضتنا العربية التاريخية. فكل نهضة ننشدها خارج نهضة لغوية وأدبية لن يكتب لها النجاح.
والنتيجة الثالثة التي يجب الاعتراف بها هي أن أخلاقنا وتفكيرنا ينعكسان على لغتنا العربية وأي لغة أجنبية يبدو كم يتسع الفرق بين لغة التفكير والتعبير معا، بينما تعلمنا اللغة العربية التي ينفق في تعليمها مالا يحصى من الجهود والأموال والزمن تظل لغة للتعبير فقط.. وهذا ما يفسر فقرنا الفكري و الأدبي، لأن التلميذ عندنا يطالب أن يعبر قبل أن يطالب بأن يتأمل ويستنتج.
والنتيجة الرابعة وهي متممة لما قبلها تدفع فكرة كثيرا ما حاول البعض إثباتها في القديم أو الحديث وهي أن اللغات لا تتفاضل لأن مهمتها هي التواصل.وكلما تحقق هذا التواصل كانت اللغة في مستوى كل اللغات الأخرى بالنظر إلى هذه المزية. والحقيقة أن اللغات تتفاضل لأن التفكير يفرض ذلك. فإذا كان التفكير يتفاوت في عمقه وفي قوته وفي سعته وفي قدرته على الشمول والنفاذ إلى حقائق الأشياء وإحكام المنطق وتقصي كل الجزئيات فلا محالة أن تكون اللغة التي يعبر بها لغة متطابقة مع مداركه وعمقه وشموله وإحكام منطقه. فكيف يجوز الادعاء بأن اللغات لا تتفاضل وهي لغات أمم وشعوب منها ما بلغ في الحضارة شأوا بعيدا ومنها ما ظل تبعا لغيره في هذه الحضارة ومنها ما ظل متخلفا أو بدائيا. على أننا لو اعتبرنا اللغات غير متفاضلة لطمسنا حقيقة الإبداع الأدبي واعتبرنا أن الآثار الخالدة في الآداب العالمية هي كالكلام العامي الذي يتحاور به الغوغاء وعامة الناس. وإذن فلا بد من اعتبار اللغات متطابقة مع الحضارات والثقافات الإنسانية، فما كان منها محدودا متخلفا أو بدائيا كانت لغاته في مستواه. واللغة العربية من بين اللغات العالمية التي عبرت عن حضارة من أعظم الحضارات التي أبدعتها الإنسانية وتمثلت الثقافة العالمية في القرون الوسطى وكان أدبها في هذه الحقبة أدبا عالميا بكل ما لهذه الكلمة من معنى. ولذلك فهي قابلة بحكم غناها وعمقها لاستئناف المسيرة الحضارية من غير تعصب لها أو عليها.
لا أثير هنا مشكلة الازدواج اللغوي. لأن هذا الازدواج في عالمنا واقع لا مفر منه، وأداة من أدوات التعايش الحضاري والثقافي. ولكن ما ينبغي أن يقوم إلى جانب هذا الازدواج هو الإيمان باللغة القومية. باعتبارها النسق اللغوي الوحيد الذي يطابق ثقافتنا ويصلنا بتراثنا، ويرمز إلى شخصيتنا بكل مكوناتها وتطلعاتها.
ولا أثير هنا مشكلة اللهجات المحلية أو الإقليمية لأنها أيضا واقع لا مفر منه باعتبارها ثنائية مفروضة بطبيعة العوامل التي تتكون بها اللغات بإزاء اللغة القومية الأولى في كل زمان ومكان. إلا أنه يحسن التمييز بين اللغة التي تحتضن التراث العلمي والثقافي وتعبر في نفس الوقت عن حركة تاريخية يندمج فيها الشعب ويتحرك معها مشدودا إلى مبادئها وأهدافها، وبين لغات وقفت في الطريق كما وقفت مثيلاتها فاكتفت بأن تكون لغة أو لهجة تواصل عملي تحت ظل لغة قومية لها طبيعة اللغة الموازية للفكر والثقافة والحضارة القوميتين.
ونعود أخيرا إلى إبراز هذه المقالة من خلال الإطار الاجتماعي والحضاري الذي يخصنا نحن المغاربة وهو أن اللغة بالنسبة لنا هي عامل أساسي في صياغة وحدتنا الفكرية والعقائدية والتاريخية والسياسية.
وأن الفكر الذي هو الوجه الآخر لهذه اللغة سيظل فكرا عربيا مسلما لا خيار له أمام هاتين الحقيقتين الدامغتين.

هوامــش
[1] - راجع تفاصيل هذه الآراء وتحليلها وردها إلى أصولها في كتابنا " الصراع بين القديم والجديد".
[2]- انظر مقالة نورالدين كريدس عن اللغة بين معرفة الواقع وواقع المعرفة. مجلة الفكر التونسية، 29-1984.
[3] - الصراع بين القديم والجديد 795-976
[4] - صدر الكتابان ، أحدهما في دمشق سنة 1943 م والثاني سنة 1953م ثم جمعت أثاره في مجلدين صدرا بدمشق سنة 1972.
[5] -فتجنشتين ص147.
[6] - المرجع نفسه ص 149.
[7]- الحيوان1/ ص 33.
[8] - أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة للدكتور نايف ضرما.ص162.

السبت، 7 مارس 2015

أوهام التمزيغيين حول العربية - الحسين رحمون

أوهام التمزيغيين حول العربية

أوهام التمزيغيين حول العربية 
من حين لآخر يطلع علينا بعض التمزيغيين على وزن التعربيين (وليس الأمازيغ) بمقالات تهدف إلى النيل من اللغة العربية بغير حق، لا لشيء سوى أنها لغة عربية، وعوض أن تنصرف تلك المقالات إلى دراسة التلاحم التاريخي والروحي والديني والأخلاقي لساكنة المغرب. وإلى البحث في التكامل بين الأمازيغية والعربية لإثراء الرصيد اللغوي والتراث الأدبي والفكري المغربي يأبى أصحابها إلا أن يثيروا القلاقل ويزرعوا الأحقاد والعصبيات والنعرات التي نحن في غنى عنها في مغرب اليوم.
وآخر ما قرأناه في جريدة هسبريس مقال مفاده أن عدم اتقان العربية أو التحدث بها أو حتى معرفتها من لدن المسؤولين الحكوميين في المغرب أمر لا يقدم ولا يؤخر ولا يعتبر نقصا بالنسبة للمسؤول، لأن وجود العربية كعدمها، وحضورها كغيابها في نظر صاحب المقال. وهذا الكلام في واقع الأمر لا يقوم على دليل عقلي ولا برهان منطقي في نظرنا على الأقل، بل يتميز بصفات أخرى لا بد من أن نقف عندها رفعا للالتباس وبحثا عن الحقيقة والموضوعية.وأنا أحيي الدكتور فؤاد بوعلي على الحوار العلمي الأكاديمي والعقلاني الذي استعمله في الرد ولكن الانسان يحتاج أحيانا في بعض المواقف إلى المثل الشعبي القائل: الحر بالغمزة والعبد بالدبزة".
وأهم الصفات التي تميز المقال هي : السفسطائية والمغالطة، والتناقض، والغوغائية واحتقار اللغة العربية، وامتهان الشعائر الدينية،والدفاع عن اللغة الفرنسية والفرنكفونية والعمل على التفرقة بين أفراد الأمة، ونفي نظرية المؤامرة.وسأذكر بعض الأمثلة من المقال نفسه للتدليل على هذه الصفات.
1-السفسطائية:
ينطلق المقال في اقناع القراء من الموضوعات الافتراضية من قبيل:
أ-لنتصور ونتخيل أن المغاربة أصبحوا يوما بدون لغة عربية... فلن يتغير أي شيء في المجتمع وستسير الإدارات والأبناك والمعامل والمتاجر والوزارات... سيرها الطبيعي.
ب-لنتصور أن المغاربة أصبحوا يوما بدون فرنسية، فإن المغرب سيتوقف ولن نجد أحدا في المستشفيات والإدارات. وستتوقف جميع المصالح العمومية والخصوصية .. بمعنى سيتوقف التاريخ.
جـ-لنتصور أن المغاربة أصبحوا يوما بدون أمازيغية أو لهجات دارجية فسوف يتعطل التواصل بين الناس، وتنكتم الأفواه وتصم الآذان وتعمى الأبصار إلى آخر ذلك من التصورات والتخيلات الافتراضية.
ومن المعلوم أن المقدمات الافتراضية تفضي إلى النتائج الافتراضية كما حصل في هذا المقال، بمعنى أنها تبقى حبيسة افتراض ذهني ولا تترجم إلى معاملات مادية، وحسابات رياضية علمية واقعية.. ومعنى هذا بلغة العلم أن المقال كلام فارغ من الواقعية والموضوعية.
2-المغالطة:
ينفي صاحب المقال أن يكون فرنكفونيا باعتباره ليس من ذوي الحظوة في المجتمع المغربي، وكأن الفرنكفونية خاصة بأهل الحظوة. ونسي أن هذه النزعة هي حقن خطيرة تزرعها فرنسا في كل جسم غير محصن ضد هذا الفيروس، والتي يستمدها المواطن الغيور على هويته من ضميره الوطني وعقيدته الدينية واعتزازه بتلك الهوية:
والفرنكفونية مدفونة في اللاوعي عند كثير من التمزيغيين، أما أهل الحظوة فهم واعون بها لقضاء أغراضهم على حساب طبقات الأمة الأخرى وتلك هي المصيبة الكبرى.
3-التناقض :
جاء المقال بلغة عربية سليمة، هو من حيث اللفظ سليم، ومن حيث المعنى والدليل عقيم. يعتقد صاحبه أنه يحسنهذه اللغة أكثر من التعريبيين أنفسهم وفي نفس الوقت يعلن عن مقته لهذه اللغة مقتا لا يضاهيه فيه أحد والغريب أنه يستعمل العربية لمحاربة العربية... اليس هذا عين التناقض. ويفتخر الكاتب بكون وزير التربية والتكوين لا يعرف العربية ولا يتكلم بها – كما صرح بذلك لأحدى القنوات الفرنسية – ويحمل شهادات عليا تؤهله لممارسة وظيفته الوزارية بكفاءات فائقة دونما حاجة إلى العربية ودون شعور بالنقص، ومثل ذلك الوزراء والموظفون السامون في الدولة والقصر ... الخ. حسب قوله.
ولكنه نسي بسرعة ما ذكره في مقدمة مقاله وسقط في تناقض صارخ عندما قال: "قد لا يوجد بلد تسند فيه مسؤولية حكومية لمن لا يتقن اللغة الرسمية لبلده. وإن ذلك يعد نقصا في كفاءة ذلك المسؤول... ولا يتصور مثلا أن وزيرا المانيا أو فرنسيا أو روسيا أو بريطانيا أو إيرانيا أو تركيا لا يتقن الألمانية أو الفرنسية أو الروسية أو الانجليزية أو الايرانية أو التركية أن ينجح في مهمته... الخ. ثم يعقب: لكن هذا الشرط ليس ضروريا في المغرب لأن :"عدم اتقان العربية من طرف مسؤول حكومي لا يعني ذلك اطلاقا أنه ناقص في الكفاءة التي يتطلبها منصبه... إلى هذه الدرجة يحاول الكاتب احتقار اللغة العربية حتى ولو خرج عن العادة والعرف المتداول في الدول التي ذكرها بنفسه.
ثم يضرب مثالا آخر عن ادريس البصري الذي: "لم يعرف النطق بكلمة واحدة من العربية، ومع ذلك لم يمنعه جهله بالعربية أن يكون وزير الوزراء ممارسا لعمله بكفاءة عالية بفضل تمكنه الجيد من العلوم القانونية التي درسها بغير العربية وهذا يعني أن حضور العربية كغيابها، وأن وجودها كعدمها..." هذا قوله.
ويكفي أن نقول للكاتب بأن المغاربة يعرفون تاريخ ادريس البصري ومصيره. و"كفاءته العالية" في تسيير أم الوزارات ويكفي أن نقول أيضا: إن الأيام ستكشف أن ما بقي من أنفاس أخيرة لوزارة التربية والتكوين ستلفظها مع هذا الوزير. وما دامت الفرنكفونية تسيطر على الأذهان فلن نرى حلا لمعضلة التعليم. وإذا كان الجهل باللغة العربية لا يهم البعض ويعتبرون ذلك مفخرة لهم. فإن المغاربة العرب / الأمازيغ يعتبرون ذلك وصمة عار في جبين هؤلاء.ويقول صاحب المقال بأن رئيس الحكومة لا يتقن التحدث بالعربية، لذلك ينبغي أن يقال هو ووزراؤه من مناصبهم بمثل ما طالبت به هيئة الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية حين طالبت بإقالة رشيد بلمختار على اثر تصريحه الصادم لقناة فرانس 24.
والذي نعرفه ويعرفه المواطنون أن رئيس الحكومةعبد الإله بنكيران يخاطب البرلمانيين كل شهر في قبة البرلمان بلغة عربية فصيحة مشفوعة بظلال دينية وبآيات قرآنية حكيمة. وحتى بأشعار عربية راقية – ولعل ذلك ما يغضب طائفة منه العلمانيين – وكذلك يصنع في المحافل الدولية ومقر الأمم المتحدة. وإذا كانت هناك لغة عربية أخرى غير التي يتحدث بها السيد بنكيران فنحن لا نعرفها.
4-امتهان الشعائر الدينية:
يحتفي الكاتب بجدته التي لم تكن تعرف شيئا عن العربية ومع ذلك كانت تؤدي صلواتها بقراءة فجة مضطربة للفاتحة وسورة الاخلاص...
ماذا يعني هذا الكلام سوى أنه تحريض على هجر القرآن وهجر اللغة العربية التي هي لغة القرآن بحيث إن قراءة القرآن وإقامة الصلاة بكيفية سليمة أو غير سليمة سيان. لا يضيره الأمر في شيء وهذا أخطر من التبشير باللائكية. والمغاربة يرفضون مثل هذه الدعوات علما بأن الأمازيغ الأحرار هم من احتضن القرآن والاسلام واللغة العربية منذ الفتوحات الإسلامية.
نفي المؤامرة :
يختم الكاتب مقاله بكونه سد الطريق أمام نظرية المؤامرة حتى لا يدخل أحد مقالته ضمنها، ولأن فلتات اللسان والقلم سرعان ما تكشف الخبايا فلقد قيل قديما :(كل إناء ينضح بما فيه) وأخيرا نقول لهؤلاء التمزيغيينوالفرانكفونيين: إذا كنتم تمقتون اللغة العربية إلى هذه الدرجة فاهجروها. ولا تكتبوا بها. اكتبوا بلغة أخرى غيرها ولا تكتبوا حتى بالأمازيغية. فنحن المغاربة العرب /الأمازيغ (العربمازيغية) نعتز بالأمازيغية بحرفها العربي.. اكتبوا بلغة الجغرافي الفرنسي:OnesineReclusالفرنكفونية فلن يقرأ لكم أحد.